فهرس الكتاب

الصفحة 20826 من 27345

الشيخ هاني بن عبد الله بن محمد الجبير*

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:

فإن رباط القرابة والنسب على متانته وقوّته، وعلى ما يترتب عليه من واجبات وحقوق لهو أضعف من رباط الإيمان بين أهله (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (1) فالمؤمن ينظر للمؤمن نظراته لأخيه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (2) .

ويوضح نبينا عليه الصلاة والسلام حال أهل الإيمان فيشبههم بالجسد الواحد: (( مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمّى والسَّهَر ) ) (3) .

وترجمة ذلك موجود في أفعال سلف الأمة، فقد نقل أن الرجل منهم إذا رأى أخاه يبكي بكى لبكائه ثم يسأله بعد ذلك عما أبكاه. يقول حذيفة العدوى:"انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به فقلت له: أسقيك؟ فأشار برأسه:أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه، آه. فأشار إليَّّ ابن عمي:أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول: آه، آه، فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئت فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات".

والأخوة الإيمانية جزء أصيل من عقيدة الإيمان، ورتبة عالية من رتب الإسلام؛ ولذا كان جزاء هذه المحبة في الدنيا حلاوة يجدها المؤمن في قلبه تفوق كل لذة، وفي الآخرة يدخله الرحمن ظلًا ظليلًا. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود للكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) ) (4) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) ) (5) . قال ابن تيمية:"جعل الله عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض, وجعلهم إخوة , وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين وأمرهم سبحانه بالائتلاف و نهاهم عن الافتراق والاختلاف, فكيف يجوز مع هذه لأمة محمد أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادى طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى" (6) .

ومن تأمل أحكام الشرع وجد مظاهر كثيرة تؤكد على أهمية الاتفاق والاجتماع، وتقضي على الفرقة والشتات، فجمعت الناس في أنساكهم وصيامهم وصلاتهم: أن يشرعوا فيها في وقت واحد، ويختموها في وقت واحد، وشرع الاصطفاف للصلاة والتراص، ونهى عن تفويت الجماعة في الصلوات، إلى مظاهر من تأملها وتشبع بها انقادت تطبيقاته لمسائل الاجتهاد على هذا النحو وقد اختار الشافعي رحمه الله أن من فاتته الصلاة في مسجد له إمام راتب أن يصلي منفردًا أو لا يصلي في المسجد جماعة ثانية لما فيها من تفرق الكلمة والاختلاف (7) .

قال الشيخ أحمد شاكر معلقًا على ذلك:"والذي ذهب إليه الشافعي من المعنى في هذا الباب صحيح جليل ينبئ عن نظر ثاقب وفهم دقيق، وعقل درّاك لروح الإسلام ومقاصده، وأوّل مقصد للإسلام وأجلّه وأخطره: توحيد كلمة المسلمين وجمع قلوبهم على غاية واحدة: هي إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية.. وهذا الشيء لا يدركه إلا من أنار الله بصيرته للفقه في الدين والغوص على درره والسمو إلى مداركه" (8) .

الدعوة للاتفاق ليست إلغاء للخلاف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت