سامي بن عبد العزيز الماجد 1/12/1426
ها هي قوافلُ الحجيج ما زالت تفد إلى البيت العتيق، تسعى إليه وتحفِد من كلِّ فجٍّ عميق، قد سال بجموعها البرُ والبحرُ، حتى ضاقت بهم فِجاجُ مكَّةَ، وامتلأتْ بهم جنباتُها.
أتتْ تلك الأفواجُ المتقاطرة يحدوها الحنينُ، تَرِفُّ شوقًا لبيت الله العتيق، يحمل شوقَها جؤارٌ بالتلبية ... (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) ، فتسكُبُه أعينٌ تفيضُ من الدمع عند رؤيته.
إنه بيتُ اللهِ الحرامُ، ملتقى الرسالات ومهبط الوحي، أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس، إنَّه البيتُ الأوحد...تتملاّه النواظرُ فلا يزيدُها النظر إلاّ شوقًا إليه ومهابةً وتعظيمًا له، فها هم حُجّاجُه لا يقضون منه وَطَرًا إلاَّ ويثوبون إليه زمانًا بعد زمان، في مشهدٍ عظيم يتكررُ كلَّ عامٍ، ومن لم يَثُبْ إليه فلا يلبثُ أنْ يعاوِدَهُ الشوقُ والحنين إليه، فسبحانَ مَنْ شَرَّفَهُ وأعظَمَ حُرمتَه، وقذف في قلوب عبادِه مهابتَه، وجعله مهوى للأفئدة.
لله ما أعجبَ مشهدَ هذه القوافل المتزاحمة وهي تتقاطرُ من آفاقٍ شتَّى، بأجناسٍ شتى وألسنةٍ مختلفةٍ، تستقصِرُ بُعدَ الشُّقَّةِ، وتستروحُ ما تلاقي في ذلك من مشقَّة.
ويشاء الله بحكمته البالغة أن يكون الحج إلى وادٍ غيرِ ذي زرعٍ لا يصلح مصطافًا ولا متربَّعًا، حتى يكونَ القصدُ خالصًا للبيت العتيق.
أَمَا إنَّها دعوةُ أبينا إبراهيمَ الطيبةُ المباركةُ، (ربنا إني أسكنتُ مِنْ ذُريَّتي بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ عند بيتِك المحرَّمِ ربنا ليُقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) ، فتستجاب الدعوة، وتقر عين الداعي (وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ، (وأذِّنْ في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍّ عميق) .
وما يزال وعدُ الله يتحقق مُنذُ عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله، وما تزال أفئدةٌ من الناس تهوي إلى البيت الحرام، وترفُّ إلى رؤيته والطواف به، الغنيُّ القادر الذي يجد الظهرَ يركبُه، والفقيرُ المعدِمُ الذي لا يَجِدُ إلا قدميه، كلُّهم يُلبّي دعوةَ الله التي أذَّنَ بها إبراهيمُ مُنذُ آلافِ السنين، فلم تعدَمْ لها مجيبًا.
إنه لحقيقٌ بكل من ولّى وجهَهُ شطرَ البيت الحرام كل يوم وليلة خمس مرات، حتى أشْرب في قلبه محبَّته، حقيقٌ به أن يستخبرَ خبرَه، ويستقرئَ تاريخَه؛ ويستشعر ما في مواطئ قدميه من الآيات والذكريات، ليتعرَّفَ وجوه الحكمةِ فيما يحتفُّ به من شعائر ومشاعر، وليستروحَ ما جرى فيه من مواقفَ الصدق والتضحية، ومشاهد الابتلاء والصبر؛ ليستجليَ عِبَرَها، ويقتفي أثرها، ويتروّى من معينها، فإنَّ الجهل بذلك التاريخِ المجيد، والمرور عليه بلا اعتبار، لا يليقُ إلا بمن محَلَ قلبُه من محبَّةِ بلدِ اللهِ الحرام فهو يؤدي طقوسًا مجردة وشعائرَ بلا مشاعر.
فما شأن بناءِ هذا البيت، وما أوَّلُ عَهْدِ الناس به وحجِّهم إليه؟!!.
إنَّ لذلك قِصَّةً هي غايةٌ في العبرة والآية، قصة لم يزوِّقْها الخيال، ولم يشبها وهم ولا خالطها كذب،... قصةٌ أصلُها في القرآنِ وتفصيلُها في السنة الصحيحة، ذلك فيما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (جاء إبراهيم بزوجه هاجرَ وابنِها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضَعَهما عند البيت، عند دَوْحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكةَ يومئذٍ أحدٌ، وليس بها ماءٌ، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جِرابًا فيه تمرٌ، وسقاءً فيه ماء، ثم قَفَى إبراهيمُ منطلِقًا، فتبعتُه أمُّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيمُ! أينَ تذهبُ وتتركُنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء؟. فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟. قال: نعم. فقالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه، فقال: ربِّ إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غيرِ ذي زرع عند بيتك المحرم...حتى بلغ يشكرون) .
إنَّ هذا الصنيعَ من أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليكاد أن يكون ـ عند أول وهلة ـ ضربًا من المجازفةً وإلقاءً لأهله في المهْلَكَة لولا أنَّ ذلك كان بوحي من الله يقينًا، وليس عن اجتهاد منه في تحقيق التوكل.
ومن الفقه الدقيق للمسألة: أن نفرق بين التسليم لأمر الله إذا جاء صريحًا في واقعة معينة مقتضيًا ترك الأسباب تفويضًا بالأمر إلى الآمر، وبين الاجتهاد في تحقيق مفهوم التوكل الشرعي في قضايا كثيرة تتطلب بذل الأسباب.