فهرس الكتاب

الصفحة 20100 من 27345

وإذنْ فليس في هذا أدنى حجةٍ للمتواكلين الذين يسوغون تفريطهم في الأخذ بالأسباب بدعوى التوكل على الله احتجاجًا بمثل هذه الأحاديث؛ لأن نبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يشأ أن يترك أهلَه في ذلك المكان القفر الممحل، إلا لأن الله أمره بذلك أمرًا صريحًا يوجب عليه الامتثال فورًا.

وهذا فهم خاطئ لمعنى التوكل الشرعي لا تسعفه دلالة سياق هذه القصة، ولا غيرها، ولكنه توكل مدخول تُنتجه القراءة الخاطئة والأفهام القاصرة التي تأخذ من النصوص الشرعية بعضًا وتتعامى عن بعض، وحين تأخذ حكمًا شرعيًا عامًا من واقعة عين خاصةٍ يعدها المحققون استثناءً من القاعدة الشرعية الكلية التي توجب مع التوكل بذلَ الأسباب.

وهذا التوكل الفاسد المدخول قد ردّه الله على أقوامٍ من أهل اليمن كانوا يحجُّون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون. فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى قولَه: (وتزودوا، فإن خير الزاد التقوى) .

إنَّ حقيقةَ التوكل لا تتم في صورتها الشرعية الصحيحة حتى يأخذَ المرءُ بالأسباب المذلَّلَةِ له، وليعلم أنه ليس في ذلك منافاةٌ للثقةِ بالله والاعتمادِ عليه مالم يقع في القلب اعتمادٌ عليها وركونٌ إليها.

وأين هؤلاء من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي هي تفسير صحيح لأوامر الله تعالى ونواهيه، فلم يكن توكله صلى الله عليه وسلم على ربه ـ وهو خير المتوكلين وأصدقهم ـ بالذي يُعفيه عن بذل الأسباب: فقد ظاهر بين درعين يوم أُحُد، واستأجر دليلًا هاديًا خريتًا مشركًا ليدله طريق الهجرة، وكان يدخر لأهله قوت سنة، وحمل الأزواد في غزواته وحجه وعمرته.

وأُمُّ إسماعيل لم تفهم للتوكل معنى غيرَ هذا، فيقينها بأنَّ اللهَ لا يُضيِّعها، لم يمنعها من الاجتهاد في فعل الأسباب، فقد(جعلتْ تُرضِعُ ابنها، وتشربُ من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ ما في السِّقاء عَطشتْ وعَطِشَ ابنُها، وجعلتْ تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهيةَ أن تنظرَ إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلتِ الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، فهبَطَتْ من الصَّفا حتى إذا بلغتِ الوادي رفعتْ طرفَ دِرعِها، ثم سعتْ سعيَ الإنسانِ المجهودِ حتى جاوزتِ الوادي، ثم أتت المروةَ فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال صلى الله عليه وسلم: فذلك سعيُ الناسِ بينهما.

فلما أشرفتْ على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صَهْ، وما تريد إلا نفسها، ثم تسمَّعتْ فسمعتْ الصوت أيضًا، فقالت: قد أسمعتَ إنْ كان عندك غَواثٌ. فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبِهِ، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوِّضُه، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدَما تغرِف. يقول صلى الله عليه وسلم: يرحَمُ اللهُ أُمَّ إسماعيل، لو تركتْ زمزمَ، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزمُ عينًا معينًا).

إنَّ أمَّ إسماعيل التي سعتْ في طلب الماء والغَواث حتى جهدتْ هي نفسُها التي قالت ـ يوم تركها إبراهيمُ عليه السلام طواعيةً لأمر الله ـ: إذن لا يضيعنا الله !!.

قال: (فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها المَلك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ها هنا بيتُ الله يبني هذا الغلامُ وأبوه، وإنَّ الله لا يضيِّعُ أهلَه، وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيولُ فتأخذُ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرَّتْ بهم رُفقةٌ من جُرْهُم مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفلِ مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائرَ ليدور على ماء، لعهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماءٌ، فأرسلوا رسولين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأمُّ إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزلَ عندَكِ؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم) .

إلى أن قال: (.... ثم لبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيلُ يبري نبلًا له تحت دَوحةٍ قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصَنَعَا كما يصنَعُ الوالد بالولد والولدُ بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إنَّ الله أمرني بأمرٍ. فقال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني. قال: وأعينُك. قال: فإنَّ الله أمرني أن أبنيَ ها هنا بيتًا، وأشار إلى أَكَمَةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، قال صلى الله عليه وسلم: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيلُ يأتي بالحجارة وإبراهيمُ يبني، حتى إذا ارتفع البناءُ جاء بهذا الحجرَ ـ يعني حجرَ المَقامِ ـ فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيلُ يُناولُه الحجارةَ، وهما يقولان: ربنا تقبَّلْ منا إنك أنت السميع العليم. قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حولَ البيت، وهما يقولان:(ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) .ا.هـ الحديث.

ثم شرع الله لنبيه إبراهيمَ الحجَّ، وأمَرَه أن يؤذِّن به في الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت