الشيخ محمد سيد حاج*
المقدمة:
تعتبر الحسبة من كُبريات القضايا ومُهمات المسائل في الشريعة وذلك لعظم متعلِقاتِها ( المجتمع ـ القيم ) .
ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الفقه أو السياسة الشرعية إلا وفيه إيضاح وبيان لهذه القضية المهمة والتي هي جزء من النظام الإداري الإسلامي الأصيل المنبثق من نظام الخلافة والإمامة والحكم بما أنزل الله عز وجل.
ومع عظم مكانتها وأهمية أمرها ووضوح ذلك ما زال البعض يشكك في هذه القضية إما بقصد وإما بغير قصد وبعضهم حاقد وبعضهم مشفق خائف.
وقبل أن نلج إلى الموضوع لا بد من مدخلين, مدخل تعريفي, ومدخل عقدي.
المدخل التعريفي:
الحسبة لغة: من مادة ( حَسبً ) والتي من معانيها العدُّ ومن ذلك {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} (( الرحمن: 5 ) )والحسب هو تعديد الآباء افتخارًًا بهم ومنه احتساب الأجر الذي هو انتظاره وطلبه وقوله سبحانه { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } (( الطلاق: 3 ) )من حيث لم يعُد ويضعُه في حسابه ومن المعاني أيضًا الكفاية ومن ذلك ( حسبي الله ) .
وفي الحسبة كفاية وصدٌ للشر وحفظ المجتمعات.
المحتسب ليس متطوع لأنه موضع المسؤولية وهو متفرغ لهذا العمل.
الحسبة شرعًا:أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله [1] .
ويعرفها ابن خلدون: وظيفة دينية كسائر الوظائف مثل إمامة الصلاة والقضاء والجهاد [2] .
ويمكن أن نخلص إلى أنّ السلطان المسلم مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وينيب عنه أهل الحسبة لحاجة المجتمع إليهم.
المدخل العقدي والأصولي:
1.لا اختيار للعبيد: حيث يقول الله سبحانه وتعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (( النساء: 65 ) ).
ونعني بها التسليم الكامل والانقياد التام لله عز وجل في كل مفردات الحياة حيث لا صلاح للإنسان إلا بتحقيق العبودية لله والتي من مقتضاها أن لا تعارض أوامره وتعاليمه ومراده أبدًا وأن نُُقِرَّ أن حكمه لنا أفضل من حكمنا لأنفسنا { وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } (( الرعد: 41 ) ).
وأنَّا لن نكون أرحم بعباد الله من الله عز وجل الذي خلقهم وسواهم {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ } (( البقرة: 140 ) ).
2.جميع الولايات الشرعية مفادها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( والذي خلاصته المجتمع المعافى من الشرور والآثام والذي ترفرف في جنباته أعلام الفضيلة والخير ) .
يقول تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ } (( البقرة: 193 ) ).
وكل الشريعة الإسلامية معروف تحث عليه ومنكر تنهى عنه وهذا يحتاجه كل بشر وكل البشر وذلك لأن كل إنسان يحتاج هذا في نفسه وكذلك غيره من بقية أفراد المجتمع [3] .
3.الكتاب الهادي والحديد الناصر:
منهج الإسلام معتدل ومتوازن ففيه القيم الروحية والشائر التعبدية وكذلك فيه القوة والشوكة التي تحمي القيم وتصون المجتمعات من الفوضى والعبث والمجون والمارقين.
ولذلك يقول تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } (( الحديد: 25 ) ).
وإذا كان الأصل في الأمر بالعروف والنهي عن المنكر أنه فرض كفاية بالنسبة لعموم المسلمين وهي منوطة بالقدرة فإنها فرض عين على السلطان المسلم [4] .
ذلك لأن البعض يريد أن يختزل الإسلام في كونه دينًا روحيًّا فقط وبذلك يجرده من التأثير ومن القوة المادية التي تحفظ بها كل المجتمعات بما فيها الدول الكافرة.
والإسلام يملك قوة روحية هائلة وقوة مادية نافعة ومن هنا كانت الشوكة والسلطان من المعينات والمرتكزات.
والله عز وجل { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (( الحج: 41 ) )ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من رأي منكم منكرا فليغيره بيده ) ) [5] ما معنى ( اليد ) هنا؟ هل تعني الملاطفة والود وأن نربت بها على أكتاف المفسدين اعتذارًا لهم؟ إن مفهوم اليد يعني الردع والزجر والمنع للمنكر, كما يعني استعمال السلطة وكل أجهزتها لهذا الغرض من إعلام ومناهج ومؤتمرات وطباعة كتب ومساعدة الدعاة وبذل الأموال للعفاف ومحاربة الفساد ولا يُقصد بها الجلد والضرب فقط وفي كل الأحوال، ولقد كان من فقه الخلفاء الراشدين وعلمهم وإدراكهم لهذا المعنى أن قال عثمان بن عفان رضي الله عنه مقولته المشهورة الداوية المجلجلة ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقران ) [6] .
آثار الحسبة وفوائدها على المجتمع: