من تأمل حقيقة الحسبة يجدها تعزز القيم الفاضلة للمجتمع وبالتالي تمثل خط الدفاع الأول عن الأمة وهي تسهم في بناء المجتمع بتعزيز الخير وكذلك بدفع الشر ( المعروف ـ المنكر ) وهي أيضًا صمام أمان للمجتمع المسلم ويمكن أن نتحدث عن حاجتنا لها وعن دورها في حفظ المجتمع من خلال النقاط التالية:
1.اختصاصات المحتسب:
من يتأمل الفقه الإسلامي يجد فيه للمحتسب مكانة عظيمة فهي تشمل جوانب كثيرة ولا تقتصر على ( الضرب والجلد ) كما يصورها البعض بل ذكر فقهاء السياسة الشرعية أنها تشمل الحسبة في حقوق الله وكذلك في حقوق خلقه العامة والخاصة فقد ذهب أبو يعلى الفراء ( أن المحتسب في حقوق الخلق العامة يصلح الآبار ويهيئ السقيا والشرب ويحافظ على المرافق العامة ) [7] .
ومن اختصاصاته:
أ. الأمر بالمعروف فيما يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى كالتذكير بالصلوات وهي من أهم الشعائر ولذلك أرسل عمر بن الخطاب إلى ولاته يقول لهم:"إنّ أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيّعها كان لما سواها أشدّ إضاعة" [8] .
وكذلك كل ما من شأنه أن يعيق العبادات كلها أو يعكر صفوها من اختصاصات المحتسب أن يتدخل.
ب. الأمر بالمعروف فيما يتعلق بالحقوق الآدمية العامة فقد مضى أنه يصلح المرافق يبني ما تهدم وغير ذلك مما يفيد المجتمع وللمحتسب أن يتدخل في الأمر بالمعروف لرد الحقوق الآدمية الخاصة بشرط أن لا يحصل فيها تناكر وتنازع لأن هذه محلها القضاء وله أن يتدخل في الأمر بالمعروف بأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى [9] .
ج. النهي عن المنكر فيما يتعلق بحقوق الله: أعلى منكر يحاربه المحتسب الشرك والدجل والخرافات والسحر والسحرة وعليه أن يحارب هذا بالتوعية والتعليم والدعوة وكذلك بالتدخل لمنع هذه الأمور وتقديم من يحتاج تقديمه للقضاء ( حادثة قتل الطالبة في كلية الطب من قبل مشعوذة ) . ثم تأتي البدع في الدين والنهي عنها ومنعها من أهم الأولويات.
وكذلك تأخير الصلاة وتركها وكل ما يتعلق بتضييع حقوق الله الظاهرة والتي لا خلاف فيها.
ومن المنكر الذي يتعلق بحقوق الله منع الفساد وهذا سوف نفرده بالحديث إن شاء الله.
د. النهي عن المنكر فيما يتعلق بحقوق الآدميين: مثل المشاجرات والمعاملات المحرمة في الأسواق ومنها بيع العِينة الذي انتشر في عصرنا ( الكسر ) وكذلك كل حقوق بين الآدميين وتظالم يتدخل المحتسب لمنعه, بل يرى الفراء أنه يتدخل في أمور الجودة والرداءة بالنسبة للسلع [10] .
وبالتالي يمكن أن نقول أن الشرطة كلها وبكل أقسامها محتسب وأن الأمر لا يرتبط بقسم معين منها وإن أفردوا قسمًا خاصًا -جزاهم الله خيرًا - لمحاربة الفساد تحت مسمى ( أمن المجتمع ) .
هـ. المحتسب في بعض النواحي يتفوق على القضاء وفي بعضها أقل رتبة من القضاء وكل هذا لمصلحة الإسلام ورعاية الأخلاق والمحافظة على الوطن والمواطن.
فالمحتسب يتدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون استدعي أو استعداء من أحدٍ بخلاف القاضي الذي لا بد أن ترفع له دعوى.
والمحتسب أيضا يتدخل في المنكرات الظاهرة من نفسه لمنعها لأن الحسبة وضعت للرهبة والقضاء للمناصفة.
والقضاء أعلى من الحسبة في أمرين أيضًا وهما أن المحتسب لا يسمع الدعوى بين الخصوم وليس هذا من اختصاصاته وبالتالي القاضي يقيم الحدود والعقوبات وليس للمحتسب أن يقيم الحدود ولكن له أن يعزر بقدر الحاجة.
كما أن القاضي ينظر في كل القضايا التي عنده أما المحتسب فإنه يختص فقط بالحقوق الثابتة والمعترف بها والتي لم يدخلها التناكر والتجاحد.
المهم أن الحسبة خادمة للقضاء كما أفاد ذلك إن خلدون في المقدمة [11] .
2.الحسبة والنظام العام:
من أكبر آثار الحسبة وفوائدها حمايتها للنظام العام وذلك بتقديم الحق العام على الحق الخاص ( هذا إذا افترضنا تنزلًا أن للأفراد حرية أن يفسدوا ) !!!
والحسبة تمثل ( نظرية الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة إذ لها جانبان: إيجابي وسلبي، تقمع الجريمة وتطارد المجرمين من المجتمع دون حاجة لادعاء شخص وتقوم بدور الوقاية من الجرائم قبل وقوعها، بالترغيب في فعل المعروف والترهيب من ارتكاب الفواحش والمنكرات التي تؤدي إلى الإخلال بأمن الجماعة واستقرارها والحفظ على الأعراض والحرمات ) [12] . بل من حق المجتمع أن يسلم من الجريمة والفساد وأن يأمن على أخلاقه وآدابه.
3.الحسبة والفوضى الفكرية والأخلاقية:
إن سلامة المجتمعات الحقيقية في سلامة المعتقد واستقامة الأفكار وإن الحسبة الفاعلة هي التي تراعي هذا الجانب في ما ينشر ويقرأ من كتب وكل عقيدة فاسدة على المحتسب منعها.
( وإذا كان من واجب المحتسب أن يمنع الغش والتدليس في المعاملات فمن باب أولى في الديانات ) [13] .