فهرس الكتاب

الصفحة 23826 من 27345

مفهوم التسامح بين الإسلام والغرب(1)

إنّ الرأسمالية التي سادت العالم بأكمله، وملكت الدنيا واكتسحت بسطوتها الكون، فَعَنَتْ لها وجوه ونُكست رؤوس، هي حضارة مولعة بتزوير الحقائق، ومغرمة بإخفاء الوقائع، فلا يعنيها طلب الصدق، ولا يشغلها إحقاق الحقّ وإبطال الباطل بقدر ما يعنيها ويشغلها مقدار الدماء التي مُصّت، وكمية الثروات التي نُهبت، والمنفعة التي حصّلت.

كم يلذ للرأسماليين، ويَطيب لهم، مدح حضارتهم بكلّ صفة حميدة، ومكرمة نبيلة، وشَميلة محمودة، وخلّة حسنة. وكم يكره هؤلاء أنْ تنتقد ثقافتهم، وأنْ تردّ حضارتهم، وأنْ تجتنب طريقتهم في العيش. إنّه سلوك من تعالى وتكبّر، وصنيع من طغى وتجبّر.

إن حماة الحضارة الغربية يعيّرون الإسلام بالتعصّب وعدم قبول الآخرين، مع أن الحقيقة على النقيض مما يدّعون، وهو ما سنثبته في هذا المقام، ونسلط الضوء عليه ونجلّيه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيى عن بينة.

مفهوم مصلطح التّسامح في الغرب

إنّ مصطلح التّسامح (Toleration) من المصطلحات التي كثر استعمالها اليوم، وهو يُطلق ويراد به:"قبول اختلاف الآخرين، سواء في الدين أم العرق أم السياسة، أو عدم منع الآخرين من أن يكونوا آخرين، أو إكراههم على التخلي عن آخريتهم".

أو هو:"موقف يتجلى في الاستعداد لتقبل وجهات النظر المختلفة فيما يتعلّق باختلافات السلوك والرأي دون الموافقة عليها. ويرتبط التسامح بسياسات الحرية في ميدان الرقابة الاجتماعية، حيث يسمح بالتنوع الفكري والعقائدي على أنه يختلف عن التشجيع الفعال للتباين والتنوع.." (معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ص462) .

وتشير الفقرة الأولى من المادة الأولى في إعلان"المبادئ حول التسامح"الذي صدر عن الدول الأعضاء في اليونسكو في السادس عشر من نوفمبر عام 1995م، إلى أن التسامح يعني"احترام وتقدير التنوع الثري لثقافات العالم، وقبول مختلف أنماط وأساليب التعبير لدى الجنس البشري"، وأنه يُشجع على"المعرفة والانفتاح والتواصل وحرية التفكير والضمير والعقيدة"وأنه يقر بالتالي مبدأ"التوافق والتناسق في الاختلاف"كما أنه"ليس مجرد واجب أخلاقي فحسب، بل هو أيضا مطلب سياسي وقانوني مثلما هو قوة تساعد على تحقيق السلام، وتسهم بذلك في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب".ويقابل التّسامح التّعصب (Intolerance) ويقال أيضا في اللغة الغربية (Fanatisme) .

نشأة فكرة التّسامح في أوروبا

نشأ فكر التّسامح في أوروبا في آخر عصر نهضتها وبداية ما يسمى عندهم بالتنوير، كحلّ للصراع الدامي فيها بين المذاهب الدينية النصرانية؛ الكاثوليك والبروتستانت. يقول المؤرخ البروفيسور برنارد لويس في ندوة نُظّمت في فندق كونرار، تحت رعاية وزارة الخارجية والمجلس الأوروبي وجمعية الخمسمائة سنة، تحت عنوان (العنصرية واللاسامية) :"إن فكر التسامح قد ولد في النصرانية على أثر الحروب الدينية في أوروبا، والتي راح ضحيتها آلاف النصارى نتيجة الصراع الدموي بين الكاثوليك والبروتستانت، فالتسامح وهو الذي يعني فصل الدين عن أعمال الدولة، وباختصار هو العلمانية التي وُجِدت لحلّ مشكلة النصرانية. فهذه المشكلة لم تنشأ في البلاد الإسلامية؛ لأن الناس المنتسبين لأديان مختلفة في البلاد الإسلامية وجدوا إمكانية العيش هناك بصداقة وأخوّة وبدون صراع ونزاع.." (جريدة تركيا الصادرة في منتصف يناير / 1995م) .

لقد رأى جمع من مفكري أوروبا أنّ الحلّ للصراع بين مختلف التيارات الدينية النصرانية يكمن في التسامح. فكتب المفكرون في معالجة الأمر، منهم جون لوك (John Locke) في رسالته الشهيرة عن التّسامح (La Lettre sur la tolerance1689) . وأصدر بعض الحكّام"مراسيم سياسة التسامح"كمرسوم"نانت"في عام 1598م، الذي َمنح به ملك فرنسا هنري الرابع رعاياه الكالفينيين الحقّ في الممارسة الحرّة لديانتهم.

ثمّ تطوّر فكر التسامح في الغرب ليشمل كلّ الناس بغضّ النظر عن دينهم. ففي سنة 1740م كتب فريدريك الكبير ملك فرنسا، ردًا على سؤال الإدارة الحكومية حول هل بوسع الكاثوليكي أن يكتسب الحقوق المدنية:"إن كل الأديان جيدة بالتساوي، وحسب الناس الذين يعلنون إيمانهم بها أن يكونوا صادقين. ولو أراد الأتراك والوثنيون أن يجيئوا إلينا ويقطنوا في بلدنا لبنينا لهم المساجد والمعابد. فكل امرئ في مملكتي حرٌّ في أن يؤمن بما يريد، وحسبه أن يكون صادقًا."

وهكذا اعترفت بريطانيا رسميًا بالتسامح المذهبي تجاه الكاثوليك في سنة 1829م، ثم تجاه اليهود سنة 1842م، والملحدين سنة 1888م.

رأي الإسلام في مصطلح التّسامح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت