فهرس الكتاب

الصفحة 23827 من 27345

إن منهج الإسلام في التعامل مع المصطلحات الأجنبية - إذا سلّمنا بأجنبية مصطلح التسامح - هو النظر في معانيها ومدلولاتها، فإذا كان المصطلح الأجنبي يفيد معنى من المعاني الموجودة لدى المسلمين، أو له واقع عندهم، قُبل. وأما إذا كان المصطلح يفيد ما يخالف ما عند المسلمين، أو لا يوجد له واقع عندهم، رُدّ.

ولما كان مصطلح التسامح يفيد من حيث الأساس الذي بني عليه، والأصل الذي تفرّع منه، معنى قبول الآخرين أي قبول من يخالفك في المذهب، والدين، والعرق، واللون، وعدم منعهم من أن يكونوا آخرين أو إكراههم على التخلي عن آخريتهم، وكان معنى قبول الآخرين مما لا يخالف الإسلام، ومما له واقع لدى المسلمين -كما سيأتي بيانه مفصلًا- فإننا لا نرى مانعًا شرعيًا من استعمال المصطلح.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّنا لا نرى مصطلح التسامح من المصطلحات الأجنبية الغربية الدخيلة على الثقافة الإسلامية والمفردات الشرعية. والواقع أنّ هناك العديد من الألفاظ التي قد يُتصوّر كونها غربية، وهي في حقيقتها عالمية موجودة في كلّ الثقافات البشرية ومستعملة عند البشر كلّهم. من ذلك، لفظة العدل، والحرّية، والجمال، والخير، والشرّ، والحُسن، والقبح، وغيرها من الألفاظ التي اتفق البشر على استعمالها، فجَرت على ألسنتهم، ووجدت في ثقافاتهم مع خلاف في المفهوم منها والمعنى المراد بها.

والتسامح فضيلة أدركتها البشرية، واحتاجت إليها لتسيير معاملاتها، وتسهيل ديمومة علاقاتها. فهي، شأنها شأن بقية الفضائل الأخرى كالصدق، والأمانة، والشجاعة، والعفة، والجود، وغير ذلك، مما وجدت عند كلّ البشر، فاتّصفوا بها، وجعلوها خُلقا حسنا يُمدح المتحلّي بِها.

إلاّ أنّ درجة الإلتزام بالفضائل متفاوتة بين البشر، فتجدها عند أحدهم ولا تجدها عند الآخر، وتظهر في جماعة ولا تظهر في الأخرى، وهذا عائد إلى الدافع إلى الالتزام بها والمقصد منها، وهو ما يختلف فيه البشر بوصفهم الفردي والجماعي؛ لاختلاف عقائدهم، والمفاهيم المنبثقة عنها المنظمة للسلوك الفردي والجمعي.

وقد كان التسامح في أوروبا إبّان سيطرة الكنيسة على الحياة فيها معدومًا، مما أنتج الحروب الطائفية فيها، والقتل، والتعذيب، والحرق، والمقصلة. فكان من الطبيعي أن يدعى إلى التسامح كحلّ للمشكلة تُحقن به الدماء، وتُطفأ به نار الفتنة في المجتمع.

بناء عليه، فإنّ الغرب لم يبتدع مصطلح التسامح، ولم يبتدع مدلوله ومعناه، وكلّ الذي فعله هو أنّه أظهره وأبرزه واعتنى به، فأصّل له وفرّع عنه، فكان منه المقبول، ومنه المردود عليه.

تحقيق واقع قبول الآخر

التسامح هو قبول الآخر. وهو من المعاني المجرّدة التي لا تمثّل واقعًا ولا تضبِط أمرًا حسيًا، ولا ينتج عنها أيّ التزام أو مسؤولية، شرعية كانت أو قانونية وضعية؛ لذلك كان لا بدّ من ضبط المعنى بتحديد موضوع القبول وواقعه الذي ينصبّ عليه.

وقد ذهب رجال الفكر والقانون في الغرب إلى اعتبار العرق واللّون والدّين والانتماء الفكري والسياسي والطبقة الاجتماعية والجنس موضوع القبول.

فهم قد انطلقوا من أنّ الآخر الذي هو الإنسان بوصفه الفردي والجماعي يتميّز عن أخيه الإنسان في الاعتبارات المذكورة آنفًا. وبناء على هذا الواقع عندهم الذي تبلور في أذهانهم تدريجيًا منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، صاغوا مفهوم التسامح وقنّنوه وجعلوه قيمة بشرية وقانونًا عالميًا ملزمًا.

ولما كان الإنسان هو مركز البحث والأساس فيه وبناء على نظرتنا إليه يتحدّد مفهوم التسامح، كان لزامًا علينا من هذا المنطلق أن نُلقي بنظرة فاحصة عميقة على الإنسان، نحدّد من خلالها ماهيته، وما يميّزه عن غيره من بني الإنسان بوصفه الفردي والجماعي.

والنظرة العميقة إلى الإنسان تري أنّ فيه غرائز وحاجات عضوية تدفعه إلى السلوك في الحياة من أجل إشباعها، ولديه عقل ينظّم له عملية الإشباع وكيفيته. والملاحظ لدى كلّ ذي عقل سليم أنّ الإنسان من حيث هو إنسان لا يختلف عن أخيه الإنسان في غرائزه وحاجاته العضوية. فالجوع، والعطش، والخوف، والتقديس، والرغبة في ممارسة الجنس، والإنجاب، وغير ذلك، كلّها مظاهر الغريزة والحاجات العضوية، نجدها عند الأسود والأبيض، وعند العربي والأوروبي، وعند المؤمن والملحد، لا فرق في ذلك بينهم. والملاحظ أيضا عند كلّ ذي عقل سليم أنّ الإنسان يختلف عن أخيه الإنسان في كيفية الإشباع، أي في النظام الذي يسير عليه في عملية إشباع غرائزه وحاجاته العضوية، وفي الأشياء محلّ الإشباع. فنجد الخنزير عند أحدهم مما يجوز إشباع الجوع به، وعند الآخر مما لا يجوز، ونجد الزنا عند أحدهم مما يجوز، وعند الآخر مما لا يجوز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت