فهرس الكتاب

الصفحة 11958 من 27345

بداية سورة العلق(3)

الجمعة 24 رجب 1395هـ 1 آب 1975 بداية سورة العلق

العلامة محمود مشّوح

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

فقد تحدثنا إليكم في الجمعة الفائتة عن النموذج الأمثل: النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم. وتبينا من خلال الحديث الآثار التي نجمت عن هذه الفطرة والطبيعة الصافية. وعرفنا له صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مواقف يصعب على أبناء اليوم تصورها لأنها لو صدرت عنهم في ظل الظروف التي تحكم الإنسانية اليوم لعُدَّت هذه الآثار، وهذه التصرفات سفهًا بعيدًا عن الصواب، لكننا متمسكون بأن الإنسانية لا رجاء لها بالخروج من هذه الفوضى التي تعم العالم شرقًا وغربًا ولا أمل لها مطلقًا في أن تتخلص من هذا الاضطراب وما يرافقه من كبت وإرهاب إلا حين تتسلم قياد الإنسانية طبائعُ على النحو الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن الدعوة إلى الله ليست أمرًا هينًا كما قد يتبادر إلى البعض، إنها صراع مع الذات بالدرجة الأولى وصراع مع ما هو خارج الذات، وإنها نمط في معاملة الأحياء لا يطيقه ولا يقدر عليه إلا الذين وطّؤوا أنفسهم على احتمال المكاره والمشقات، ومرنوا أنفسهم على العطف والإشفاق على صَغَار الإنسان وعلى سفه الإنسان، إن سياسة المجتمعات البشرية لا تكون بالعنف ولا بالقسوة لأن المجتمعات الإنسانية حصيلة أفراد، وهؤلاء الأفراد جهاز إنساني عجيب لا يطيق أن يسار به نحو الغايات المرسومة فوق الألغام وإنما هو يأخذ سبيله إليها بعد الاقتناع بها وبعد الإقرار بصحتها وبصوابها وهذه القضية البدهية تفترض حقًا القاعدة التي أشرنا إليها في الجمعة الفائتة فالحب والحب وحده وبالتعالي عن الصغائر والتغاضي عن السيئات، وبإسقاط حظوظ النفس وعدم التأثر الذي يقع داخل حدود الذات، بهذا فقط يمكن أن تقاد المجتمعات.

فالعنف سلاح يرهب ويحطم صاحبه قبل أن يحطم الآخرين، العنف سياسة فاشلة لأنها دليل على إفلاس الحجة وسقوط في العقل لأن الإنسان لو ملك الحجة ما كان محتاجًا أبدًا إلى العنف، ولهذا فنحن في منطق الإسلام نرفض ما يسمى بالعنف الثوري. ونرى أن هذا الأسلوب يدمر الحياة الإنسانية ولا يبنيها، ونرى إن شاء الله تعالى أن الحب الغامر والإشفاق العظيم والرغبة الأكيدة في إيصال الخير إلى الناس وإدخال القناعات إلى نفوسهم هو، وهو وحده، الذي يكفل السير السليم والعاقبة السليمة بإذن الله.

من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم بسهولة وبوضوح ذلك السلوك العجيب الذي كان يسلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء الذين يدعوهم إلى النجاة ويرفضون إلا تعلقًا بالوثنية وأوهامها وخرافاتها، ومن هنا نستطيع أن نفهم سر التربية العالية التي اكتسبها الأصحاب رضوان الله عليهم من قائدهم ومعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا نماذج تحتذي هذا المعلم وتنهج على منواله.

يا إخوة خلاصة ما انتهينا إليه في الجمعة الفائتة أن الله تعالى فطر نبيه صلى الله عليه وسلم على طبيعة خيرة مستقيمة وأنه بأثر من هذه الطبيعة النادرة، واجه قومه بأسلوب حطم مقاومتهم وأنه حين ظهر عليهم وألقوا أزمة أمورهم بين يديه لم يعاملهم معاملة بشرية وإنما عاملهم معاملة ربانية لم يثربهم ولم يلمهم ولم يعنفهم، ولم يوقع بهم العقاب، ولو فعل لكان له في ذلك واسع العذر، ولكنه كان يتصرف بمقتضى قانون القدوة التي ضربها الله للناس إلى أن تقوم الساعة حتى يجد فيها العاملون متعلقًا سليمًا يفيئون إليه عند اختلاط الآراء والنظريات. هذا الأسلوب كما قلنا نتيجة طبيعية معينة وأريد من غير تعقيدات أن أشرح لكم جوانب بسيطة من نظرة الإسلام إلى هذه الواقعة.

الإسلام يرى أن الأصل في الإنسان أنه خيِّر، وأنه طيب ليس شريرًا بالطبع ولا فاسدًا بالطبع، وإنما الشر والفساد جاءا من معاملته مع المحيط الفاسد، لكن إذا كنا نطلق هذه النظرية إطلاقًا فثمة مخاطر. إذا قلنا أننا نعطي للمحيط كل هذه القدرة على الإفساد والتشويه والتخريب فنحن نسقط مبرر الدعوات جميعًا، لأنه إذا كان المحيط يملك القدرة على كل هذا التخريب فمعنى ذلك أنه لا فائدة من العمل ما دمنا نعيش في محيطات فاسدة، لكن الأمر على خلاف ذلك، على خلاف ما يظهر للنظرة المتعجلة قلت إن الأصل أن الإنسان خير، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى"إني خلقت عبادي كلهم حنفاء"أي على فطرة الإسلام مائلين عن الشر والفساد ثم اجتالتهم الشياطين، والشياطين اسم يمكن أن يجمع كل عوامل الشر والانحراف التي توجد في المجتمعات الإنسانية، مع ذلك فنحن نلخص أن طبائع الناس هنالك طبائع قوية وهنالك طبائع ضعيفة، الطبائع القوية تستطيع أن تحافظ على نقائها وعلى طهرها وعلى استقامتها وعلى شرفها في ظل أسوأ الظروف. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الناس فقال:

(الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت