فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الطبيعة الخيرة، الفطرة القوية لمجرد أن ترى شعاع الحق تحنُّ إليه وتلتف من حوله وتأخذ بأسبابه، الفطرة المنهارة الضعيفة الهابطة الملوثة لا تستطيع أن تنفك من أغلال هذه القيود التي يفرضها المجتمع. في كل مجتمع إنساني يكون للمجتمع سلطان ولكن على من؟ على أصحاب الفطرة التي لا تكاد تتماسك، على الضعفاء على الذين يلوون إرادتهم ويعطلون عقولهم.
لكن باستمرار هنالك دائمًا فئة من الناس تتمتع بهذه القدرة الغريبة على خرق ستار هذا الوهم الكبير الذي يسمونه المجتمع. على عاتق هؤلاء الناس تقع مهمة التغيير، على أكتاف هؤلاء الناس تقع مسؤولية الإصلاح، عليهم أن يحدوا الركب أحرارًا لكي يفيئوا إلى الحقيقة وذلك لن يكون باستعمال العنف لن يكون إلا بضرب القدوة والمثل على الصبر والتحمل ورفض استعمال العنف وإبداء المحبة والشفقة على خلق الله.
ولن يأتي زمان كبير حتى تجد أرباب العنف وأصحاب الأنوف التي شمخت بالأمس استفاقوا وألقوا أسلحتهم ووضعوا مقادتهم في أيدي دعاة الحق، الشيء الذي يربك بكل صراحة أيها الإخوة، الشيء الذي يضلل ويربك أن الذين دعوا إلى الله ولم تنجج دعواتهم، لأنهم لم يسلكوا الطريق الصحيح مئة بالمئة، ما ينفكون حتى يخسروا وحتى يملوا وحتى ينساقوا مع النازع الإنساني وهنا بداية الفشل.
ما دام الداعي إلى الله متمسكًا برغبته العارمة في إيصال الخير إلى الناس محمولة على وعاء من الحب الصافي رافضة أن تحتكم إلى نوازع النفس واندفاعاتها، فالعاقبة لها دون ريب والمسألة ليست سوى مسألة زمن، وبعد ذلك كل شيء سينتهي إلى قراره الصحيح. وهكذا فعل محمد صلى الله عليه وسلم، كانت تبدو بين أصحابه رضوان الله عليهم ظواهر الألم والمرارة، تبدو عليهم ظواهر فقدان؛ الضبط. إلى متى نحن نُعذَّب في الله؟ إلى متى ونحن نتلقى اللطمات ولا نرد هذه اللطمات، إلى متى لا نستعمل قوة الساعد والعصى والسيف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكفكف من غلوائهم، ويرد هذه النفوس التي تكاد أن تتردَّى في مزالق خطرة يردها إلى القاعدة الإيمانية الصحيحة.
جاءوه يومًا وهو مسند ظهره الشريف إلى جدار الكعبة فقالوا:
يا رسول الله (ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا) ؟ونظر النبي الكريم إلى هذه الوجوه الطافحة بالألم التي تفيض مرارة لما لقيت من أعداء الله، نظر إليها نظرة العاطف المشفق الودود وقال:
"إن من كان قبلكم كان يؤتى به فيربط إلى شجرة ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على مفرقه فيشق نصفين. وكان يمشط ما دون عظمه ولحمه بأمشاط من حديد ما يرده ذلك عن دين الله، والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراعي من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون)."
كان يستعمل الحكمة الإلهية في ردِّ هذه النفوس عن الاندفاع مع النزوات، الأمر ليس أمرًا شخصيًا لكي أسمح للنازع الشخصي أن يتصرف فالأمر أمر دعوة لم أضعها وإنما جاءت من قبل الحكيم الخبير، وهو يضع قوانينها، وهو يخط قواعدها وهو يبين شرائعها ليس لي أن أتصرف في هذه القواعد والأمر بعدُ ليس أمرَ مجتمع محصور وإنما هو أمر إنسانية طويلة عريضة، والأمر من بعدُ ومن قبلُ ليس أمر لحظة زمنية محدودة وإنما هو أمر الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وهو خير الوارثين، فالمسؤولية حين تصور أمام الداعية على هذا النحو ليست مسؤولية هينة لا يجوز له قط أن يسمح لنفسه بالاندفاع أكثر مما ينبغي هنالك حدود حينما تبلغ دعوة الدعاة إلى الله بالجهد، بالمصابرة، بالتضحية عبر الآلام والدماء مرحلة النضج والاكتمال. فسوف يكون بمقدورهم أن يتحكموا بمصائر الأخيار، قبل ذلك لا. قبل ذلك لا. قبل ذلك لا.
ما يروج له في هذه الأيام في معسكرات الشيوعية والمتأثرين بها من استعمال مناهج العنف الثوري وسيلة إلى التغيير خطأ ولا ريب، ودمار محقق لا يوصل إلا إلى البغضاء والشحناء وتدمير الإنسانية رأسًا على عقب، منهجنا غير ذلك لكن حينما نصل بالأمور إلى هذا الحد وللذين سألوا خلال الأسبوع الفائت فيجب أن نفرق بين أمرين يجب أن نفرق بين وضعية الداعي ضمن مجتمع جاهلي، وبين وضعية الداعي المجتمع الكامل السائر على منهاج الله.. الداعي في مجتمع جاهلي لا يسوغ له بتاتًا أن يتورط بالعنف وإنما سبيله الحب والمودة وعدم هز المجتمع أكثر مما ينبغي، والداعي ضمن مجتمع قائم على قاعدة الإيمان وضعه يختلف، أنت في مركز المسؤولية عليك وجائب غير الوجائب التي عليك وأنت لا مسؤولية أمامك.