إعداد:الشيخ/أبوزيد بن محمد مكي المحاضر بجامعة أم القرى 18/4/1424
المقدمة
الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلقه للإنسان أن جعل فيه صفات تبدو في الظاهر متضادة متناقضة , مثل صفة الحب مع البغض , والخوف مع الرجاء , والاتجاه إلى الواقع مع الاتجاه إلى الخيال , والسلبية مع الإيجابية .. وهذه الصفات إذا أعملها الإنسان في مجالها الصحيح , فإنه لا يحدث بينها أي تضاد أو صراع , بل يكون بينها من التوافق ما يؤدي إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة .
وإن من أخطر الصفات التي تبدو في الظاهر متضادة متناقضة: إحساس الإنسان بفرديته , وإحساسه بالميل إلى الاجتماع بالآخرين , وقد انقسم الناس تجاهها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من اهتم بالجانب الفردي على حساب الجانب الجماعي .
والقسم الثاني: من اهتم بالجانب الجماعي على حساب الجانب الفردي .
والقسم الثالث: من اعتقد الانفصام بينهما , فحاول التوفيق بمحاولة خاطئة .
وإن السبب الحقيقي لهذا الاختلاف يعود إلى عدم فهم حقيقة النفس البشرية , وأنها لن تسعد وتستقيم إلا بالاهتمام بالجانبين المتضادين معًا , وإعطاء كل واحد منهما غذاءه المناسب له , وهذا ما يقدمه الإسلام للإنسان , فإنه كما يغذي الجانب الروحي , يغذي الجانب المادي , وكما يغذي الحب في مجاله , هو يغذي الكره في مجاله , وكما يغذي الخوف فهو يغذي الرجاء , وهنا: كما يغذي الفردية , فهو يغذي الجماعية , ويوفق بينهما توفيقًا يؤدي لصلاح الفرد والمجتمع , بإذن الله تعالى .
وقد أحببت الكتابة في موضوع الفردية والجماعية عبر المباحث التالية:
المبحث الأول: المذهب الفردي .
المبحث الثاني: المذهب الجماعي .
المبحث الثالث: المذهب التلفيقي .
المبحث الرابع: المذهب الإسلامي .
وقد قسمت كل مبحث إلى مطالب تفصيلية , ثم ختمت المباحث بخاتمة ذكرت فيها أبرز النتائج , سائلًا الله تعالى الإعانة والإخلاص والتوفيق .
المبحث الأول: المذهب الفردي
المطلب الأول: حقيقة المذهب الفردي
يقصد بالفردية: اهتمام المرء بنفسه , ومحافظته على ذاتيته , واستقلاله وكيانه (1) .
يرى أصحاب المذهب الفردي أن الإنسان فردي النزعة,وأن المجتمع مفروض عليه من خارج نفسه,متحكم فيه بغير إرادته ,ومن ثمَّ فهو مكروه ,وتفتيته وتفكيكه حلال (2) .
يقوم المذهب الفردي على إبراز كيان الفرد حتى يجعله مقدسًا , يحرم على المجتمع المساس بحريته , وليس له أن يحرِّج عليه , وليس له أن يقول له: هذا خطأ وهذا صواب (3) .
وقد نتج المذهب الفردي في الغرب لعدة أسباب أبرزها: (4)
1-ردة فعل للطغيان الكنسي , وفرضه سلطانًا مذلًا على كاهل الناس .
2-ردة فعل لاستبداد الإقطاعيين بالأفراد , وسلبهم حقوقهم وحرياتهم .
3-الانقلاب الصناعي الذي حدث في عصر النهضة الأوروبية , والذي أحدث تغيرًا كاملًا في صورة المجتمع , وقدم العمال فرادى من الريف , كل منهم يسعى لتحقيق ذاته , ونفع نفسه .
4-تشجيع الرأس مالية للمذهب الفردي , لقيامه على أساسه , ومدافعته عنه دفاعًا عنيفًا , وكان شعارهم الذي رفعوه:"دعه يعمل . دعه يمر", أي: دع الفرد يعمل ما يشاء بلا حواجز , دعه يمر بلا عوائق . فكانت دعوة للانطلاق من القيود (5) .
المطلب الثاني: أبرز روَّاد المذهب الفردي:
يعتبر , كارل روجرز , عالم النفس الأمريكي , رائد هذا المذهب , والذي وجهه إلى ميدان علم النفس والتربية . وهو ينادي بوجوب إتاحة الفرصة للأفراد للعيش في عالم متحرر من ضغوط المجتمع , وليختاروا القيم التي تنبع من داخلهم . فهو يود تحرير الأفراد من القيود المدمِّرة - كما يسميها - التي يفرضها المجتمع عليهم (6) .
1-ويعتبر المذهب الفردي امتدادًا لآراء فرويد وآراء مدرسة التحليل النفسي , والذين يزعمون بأن الفرد هو الضحية الدائمة للمجتمع , وأن المجتمع شيء مفروض على الإنسان من خارج كيانه , وضاغط عليه , وكابت لرغباته , ومعوِّق لنموه الأصيل (7) .
2-وتعتبر الرأسمالية في الغرب قائمة على أساس فردية الإنسان , فتوسع له في حدود فرديته , وتترك له حرية التصرف في كثير من الأمر حتى يصل إلى حد إيذاء نفسه وإيذاء الآخرين , تحت ستار الحرية الشخصية (8) .
3-وكذلك يتبنى هذا المذهب علماء النفس الفرديون , والذين ينظرون إلى المجتمع من وجهة نظر الفرد , فيبالغون في تقديره كشخصية مستقلة , لها كيانها المنفصل عن الآخرين , كما يبالغون في الحجر على حق المجتمع في تأديب الفرد الخارج على طاعته (9) .
4-وكذلك ينادي بهذا المذهب:الوجوديون وغيرهم من المنحلين,الذين يقولون بأن المجتمع لا يضره شيء في أن يستمتع الفرد بحريته في شئونه الشخصية,لأنه الفرد هو الأصل,وهو الذي ينبغي أن يتحقق له وجوده الكامل,رضي الآخرون أو غضبوا (10) .