حال المرأة المسلمة
في البوسنة و الهرسك
و تأثره بالسنة النبوية
تأليف الدكتور: أحمد عبد الكريم نجيب
أستاذ الحديث النبوي و علومه في كلّية الدراسات الإسلاميّة بسراييفو ، و الأكاديميّة الإسلاميّة في زينتسا
و مدرّس العلوم الشرعيّة في معهد قطر الديني سابقًا
إن بمقدور المرء حينما يُلقي نظرة ـ و لو سريعة ـ على أي تجمع بشري أن يجزم بوجود مسلمين فيه ، و مدى التزامهم ـ في حال وجدوهم ـ بدينهم ، من خلال مظهر نسائه و سلوكهن .
فالمرأة المسلمة بقرارها في بيتها ، و عدم اختلاطها بالرجال ، أو خروجها باللباس الشرعي ـ إن خرجت ـ تدلل على انتمائها إلى الإسلام و التزامها به .
فماذا عن المرأة البوسنوية ؟
لا شك أن حال المرأة المسلمة في البوسنة لم يكن مختلفًا عن حال أخواتها في الشرق الإسلامي أثناء الحكم الإسلامي لبلادها ، و لكن تغيُّر الحال كان قرين ضعف الخلافة ، و سقوط البوسنة و ما جاورها من بلاد البلقان تحت الحكم النمساوي المجري ، ثمَّ دخولها تحت سيطرة الصرب تارةً و الكروات تارةً أخرى باسم المملكة اليوغسلافية فالاتحاد اليوغسلافي الشيوعي الذي استمر حتى الحرب الأخيرة ، التي خرجت البوسنة في أعقابها دولةً مستقلَّة مقسمة .
المبحث الأول
الحالة الدينيَّة للمرأة البوسنويَّة المسلمة بعد جلاء الحكم الإسلامي عن بلادها
وصلت المرأة البوسنوية إلى أدنى دركات الانحلال و الانحطاط بعيدًا عن قيم الإسلام و آدابه قُبيل الحرب الأخيرة ، حتى أصبح من المتعذر على المتأمل في تلك الحقبة أن يرى فارقًا بين النساء المسلمات و غير المسلمات في معظم المدن البوسنوية ؛ من حيث اللباس ، و السلوك ، و الآداب و غير ذلك ، حيث نافست الكثيرات من فتيات المسلمين الصليبيات في التعري و السفور ، و خرجت على إرادة ولي أمرها ـ الذي أخرسته القوانين و الإجراءات الشيوعية الجائرة (1) ـ في أمور العفة و الطاعة و غيرهما ، و شاع اقتران الكثير من شبان الصرب و الكروات و الملاحدة ببنات الأسر المسلمة .
لكن هذه الصورة القاتمة تظل محصورة بين صورتين مشرقتين ، كانت إحداهما قبل سقوط البوسنة في قبضة الشيوعية التي مسخت شخصية المرأة المسلمة باسم التحرير و التطوير ، أما الصورة الأخرى فهي التي بدأت تتشكل بعد سقوط الشيوعية و شروع المجتمع الإسلامي في استعادة هويته ، و العودة إلى دينه و تراثه .
ففي بداية القرن الرابع عشر الهجري كانت المرأة المسلمة في البوسنة محتشمة ، قارة في بيتها ، ضاربة بخمارها على جيبها ، لا تختلف في ذلك عن أختها في بلاد المسلمين الأخرى .
يقول العلاَّمة الخانجي في مقدمة ( الجوهر الأسنى ) متحدثا عن حال مسلمي البوسنة: (( و نساؤهم محتجبات ٌ، محتشمات لا يرى منهن في الشوارع شيء ، لا الوجه و لا اليدان و لا غير ذلك ، إلاَّ التي اتبعت الشيطان ، و انجرت وراء
المفسدين )) (2) .
فحجابهُن كان كاملًا يستر كامل البدن بما فيه الوجه والكفَّان ، الأمر الذي لم يعد موجودًا إلا في ذاكرة العجائز و المُسنِّين ، الذين يتندرون بذكر النساء الفضليات اللاتي أدركن ذلك العهد الزاهر .
و قد رأيت صورًا لنساء كثيرات كن يسدلن الخمر على رؤوسهن ، و النقب على وجوههن ، حتى إن بعض المسلمين اليوم يعبر عن انتمائه و حبه للإسلام بعرض صور لجده بلباس الإحرام و جدته و قد أسدلت النقاب على و جهها .
الأمر الذي كان يلفت أنظار من زار البوسنة في ذلك الوقت ، و من هؤلاء ولي عهد مصر السابق الأمير محمد علي باشا بن الخديوي توفيق رحمه الله ( ت 1374 هـ / 1955 م ) الذي زار البوسنة ـ متنكرا ـ عام 1317 هـ / 1900 م ، و دوَّن أحداث رحلته في كتاب طُبع أثناء الحرب البوسنوية الأخيرة ، و فيه يصف ملابس النساء المسلمات في البوسنة ، و يذكر بعض عاداتهن الدالة الحشمة و العفة فيقول: (( أما النساء المسلمات فيلبسن الفرجية(3) و يتنقبن ببراقع تستر كل الوجه ، غير أن لكل واحد فرجتين إزاء العينين بقدر ما تسع خيوط النظر ، و لذلك كان من النادر أن يرى الإنسان وجوه أولئك السيدات ، و من عاداتهن أن لا يخرجن من بيوتهن و لا يتجاوزن خدورهن إلا للحاجات عندما تستدعي الضرورة
(1) ... خلال فترة الحكم الشيوعي للبوسنة كانت السلطات تمنع الوالدين من حق الرقابة على أبنائهم ، معتبرة الحزب الشيوعي الحاكم السلطة الوحيدة المؤهلة و المسؤولة عن تربية الجيل و تنشئته و تعليمه ، و بهذه الذريعة كان الشيوعيون يبررون تحطيم القيم الخلقية و الدينية لدى الأجيال الصاعدة من أبناء المسلمين .
انظر: علي سالم إبراهيم النباهين: دراسة مقارنة للأوضاع التعليمية للأقليات الإسلامية في الهند و سيريلانكا و يوغسلافيا ، ص: 276 .
(2) ... الجوهر الأسنى: ص 19 .
(3) ... الفرجية: غطاء ساتر للوجه كانت تستعمله نساء الترك ، و فيه فُرجة ضيّقةٌ تبدو منها عين واحدة ، و قد انتشر في عدد من البلدان العربية أواخر العهد العثماني .