فهرس الكتاب

الصفحة 13123 من 27345

تطلُّعاتٌ نحوَ عملٍ سلفيٍّ معاصر *

محمد بن عبد الله الدويش 7/3/1427

حقق التيار السلفيّ في هذا العصر منجزات لا تخفى على من يتأمل الواقع الدعويّ، وحين نتحدث عن العمل السلفيّ فنحن نتحدث عن تيار في الأمة، وهو أوسع من مجرد كيان عضويّ؛ فالكيانات العضويّة، سواء كانت جمعيات أو مؤسسات، لا تمثل إلا جزءًا من هذا التيار.

والحديث عن منجزات العمل السلفيّ حديث يطول، ولا تتسع له سطور هذه المقالة، فتكتفي بالإشارة لأهمها، والتي تتمثل فيما يلي، وهي:

1-إيجاد تيار دعويّ يتبنى منهج الفرقة الناجية.

2-الاعتناء بالعلم الشرعي وإحياؤه.

3-الالتزام الشرعيّ والانضباط السلوكيّ، على مستوى الأفراد والمؤسسات.

4-إحياء السنة وإماتة البدعة.

5-تعظيم النصوص الشرعية والوقوف عند حدودها.

ومهما عظمت الإنجازات وعلت، فستبقى تطلعات الأمة نحو هذا العمل عالية، وهو مطلب شرعيّ وطبيعيّ ينبغي ألاّ تعوقنا عنه المبالغة في الدفاع عن المنهج والحرص عليه، بل الحرص ينبغي أن يقود للجرأة على المراجعة والصراحة في تقويم الواقع.

وفيما يلي أهم التطلّعات المنتظرة من هذا التيار.

الأول: الجرأة على المراجعة والتقويم:

إن جهدنا لا يعدو أن يكون عملًا بشريًا ليس له عصمة؛ فالعصمة للمنهج؛ أما البشر من غير الأنبياء فليس لهم عصمة، ومن هذا المنطلق فنحن بحاجة إل مراجعة مسيرتنا في العمل السلفيّ مراجعة شاملة وكاملة، وبحاجة لتقييم دقيق وصادق، يقوم على الجرأة في نقد الذات ومراجعة النفس من أجل إصلاح الأخطاء التي تؤخّر مسيرتنا في العمل.

وحتى تحقق هذه المراجعة ثمرتها فلابد أن تكون علميّة وجادّة، دون أن تكون عفويّة، أو أن تقف عند مجرد محاسبة النفس على السلوك الشخصيّ؛ فهذه المحاسبة -وإن كانت أمرًا مطلوبًا- لكن الأمر الذي نريده ونطمح إليه أشمل وأوسع من ذلك.

إننابحاجة لتقييم ومراجعة تتيح لنا أن نسأل أنفسنا بصدق:

-ما أهدافنا التي نسعى إلى تحقيقها؟

-ما برامجنا ورؤيتنا الواضحة لتحقيق هذه الأهداف؟

-هل هذه الأهداف والبرامج تتلاءم مع التحدّيات المنوطة بهذا العمل الدعويّ؟

والجرأة على المراجعة والتقويم تدعونا إلى أن نفتّش عن أخطائنا من خلال تأمّل الذات، ومن خلال إتاحة المجال للنقد والتقويم داخل صفنا، وأن نستفيد من النقد الذي يُوجّه إلينا من خارج إطارنا، فإن من مصلحتنا أن نسمع كل كلمة تُقال بعيدًا عن خلفية صدورنا، وعن قائلها وتصنيفنا له وموقفنا منه.

حين يتحدث عنا الآخرون -ولو كانوا أعداءً- فسيحرصون على ما يقنع الناس، ومن ثم فهم أقدر وقوفًا على الأخطاء والعيوب، ولا ننكر أنهم قد يبالغون، وقد يضخّمون، وقد يكذبون، لكنهم أيضًا قد يصدقون، وهذا على فرض أن كل منتقد لنا إنما هو عدو وخصم لدود؛ فكيف وفيهم من يتفق معنا في الأصول، ويختلف معنا في بعض المواقف والتطبيقات؟

الثاني: الفصل بين المنهج وبين الكيانات العضويّة:

شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة لطائفة واحدة، ووصفها بوصف واضح وجليّ، وهو التزام ما كان عليه هو وأصحابه؛ فمن تحقّق فيه هذا الوصف استحقّ أن يكون من هذه الطائفة.

ومع انتشار العمل الإسلاميّ ونموه نشأت مؤسسات وتيارات وتنظيمات تتبنى المنهج السلفيّ وتدعو له، وقد كتب الله على يديها الخير الكثير لهذا المنهج.

ومع تقديرنا لجهد هذه الكيانات والمؤسسات؛ فمن الخطأ أن نحصر القضية السلفيّة في الكيان العضويّ أو الإطار المؤسسيّ الذي ننتمي إليه أيّا كان الشكل التنظيميّ أو القالب الذي تتخذه؛ فمنهج الفرقة الناجية أوسع من أن يحتويه إطار تنظيميّ أو كيان عضويّ؛ فضلًا عن أن تحتويه مدرسة محددة فكريًا داخل هذا الإطار؛ فالحق أوسع من أن يحتويه إطار ضيّق.

وفي المقابل قد توجد كيانات ينتشر في إطارها خلل في بعض الجوانب، لكن ربما نجد داخلها منْ يتسم بصفاء المعتقد وسلامته، وشدة الحرص على التزام السنة بما يفوق حرص بعض المنتمين للكيانات السلفيّة، ولا شك أن هذا الصنف أقرب إلى المنهج الذي نحمله من غيره ولو ممن ينتمون عضويًا للكيانات السلفيّة.

الثالث: التفريق بين المنهج وبين من يحمله وطريقة حمله:

لقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن منهج الطائفة الناجية منهج معصوم، لا زيْغ فيه ولا انحراف، لكن على الرغم من هذه الشهادة النبوية؛ فإننا يجب أن نعلم أن الله -جل وعلا- قد كفل العصمة للمنهج فحسب، ولم يكفل العصمة لحملته من الأشخاص -اللهم إلا الأنبياء- وهذا يعني أننا حينما نحمل هذا المنهج فليس من المستبعد أن نقع في خطأ أو تقصير؛ لأننا غير معصومين، وهذا يعني أيضًا ألاّ نحكم على من ينتقدنا أو يخالفنا بأنه مخالف للمنهج ومنتقد له؛ فمن العدل أن نفرق بين العداء للسنة والعداء لأشخاصنا؛ فهما قضيتان منفصلتان، ولكل قضية منهما أسبابها ومنطلقاتها الخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت