فهرس الكتاب

الصفحة 13124 من 27345

وثمة فئة ليست بالقليلة ترفض الاستجابة للدعوة السلفيّة لا تأصلًا للبدعة فيها، ولا كرهًا للسنة؛ لكن لأنها حملتها بطريقة غير مقنعة، فمن يحمل الحق فقد لا يؤدّيه بصورة صحيحة، بل قد يؤديه بصورة تشوّهه.

إذًا فسلامة منهجنا لا تعني سلامة أشخاصنا، ولا يعني سلامة ذواتنا، ولا تعني أننا حملنا المنهج بطريقة صحيحة وسليمة؛ وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.

الرابع: ضرورة الأخذ بأسباب النجاح:

حين نفصل بين المنهج وبين من يحمله وطريقة حمله؛ فإن هذا يقودنا إلى النظر إلى جهدنا ومشروعاتنا في نشر المنهج على أنه جهد بشريّ لا يكتسب العصمة بمجرد انتمائه للمنهج؛ فالعصمة في المنهج لا فيمن يحمله.

وهذا يقودنا إلى تحمّل مسؤوليتنا في الأخذ بأسباب النجاح الدعويّ، في كافة المراحل: تخطيطًا، وتنفيذًا، وتقويمًا، وتطويرًا، دون الاتكاء على عصمة المنهج.

وقد يُوفق في الأخذ بأسباب النجاح من لا يحمل صفاء المنهج، بينما يخلّ الآخر بهذه الأسباب، فيخفق الثاني وينجح الأول، وهذه سنّة الله في الحياة، وحينها على من يخفق أن يتحمل مسؤولية إخفاقه وفشله، لا أن ينشغل عنه تضخيم الذات واتهام المدعوّين.

الخامس: الانفتاح على الآخرين والاستفادة من التجارب الناجحة:

تمتلئ الساحة بالدعاة والعاملين للإسلام، وهم فئات وطوائف شتى ومدارس متنوعة، ولدى الكثير من هؤلاء صور متميزة من النجاح، وبالأخص في التأثير على الآخرين، والتواصل مع المجتمع.

وقد لا يخلو بعض هؤلاء الناجحين من قصور أو خلل؛ فهل هذا الخلل يوجب إهدار ما لديهم من تجارب ناجحة؟ بل هل سلامة المنهج تقتضي التخلي عن الاستفادة من هذه التجارب؟

لقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة في شأن الشيطان:"صدقك وهو كذوب"رواه البخاري (3275) ، فإذا كان هذا في شأن الشيطان المطرود من رحمة الله -تعالى- فكيف بإخواننا الدعاة الذين يشاركوننا في ساحات الإصلاح والعمل الإسلاميّ؟

وحين أحاطت قريش وأحلافها في غزوة الخندق ما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلاّ أن أخذ برأي سلمان الفارسي، وقد أشار عليه بحفر خندق, فجاء بمكيدة لم تصنعها العرب -كما قالت قريش-.

إن التيار السلفيّ بحاجة إلى الانفتاح على الآخرين والسماع منهم والاستفادة من تجاربهم؛ وحينها سيجد دعاةً ناجحين، ونماذج متفوّقة في العمل والأداء.

وحين يفوقنا الآخرون في استقطاب الناس أو التأثير على العصاة والفساق أو في إيقاظ الوعي في الأمة فليس مردّ ذلك التفوق عائدًا بالضرورة إلى تساهلهم، وليس مرد تخلفنا هو بالضرورة غربة الحق وأهله، وليس تقصير الآخرين مسوّغًا للتخلي عن الإفادة من تجاربهم.

السادس: إعادة النظر في أساليب التعامل مع المخالفين:

كان لأئمة السلف جهد في محاربة البدع والوقوف في وجه دعاتها، بل اقتضى المقام في أحوال عدة الإغلاظ عليهم وهجْرهم. هذا وجه.

والوجه الآخر: أنهم أرحم الخلق بالخلق، وهو ما ورثوه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع الناس برّهم وفاجرهم، وهما وجهان لا يتعارضان ولا يتناقضان؛ فالرحمة والرفق هي الأصل؛ إذ الرفق ما كان في شيء إلا زانه. والإغلاظ والهجر -عقوبة- مناط استخدامهما إفضاؤهما للمصلحة الشرعية، ولا يسوغ أن يتحوّلا إلى خلق أو شعار يُوصم به أتباع المنهج السلفيّ.

كما يجب إعادة النظر في افتراض التلازم بين الغيرة على المنهج السلفيّ وبين الحرص على توسيع دائرة إخراج الناس من هذا المنهج، والسعي للحكم على الناس والتنقيب وتحليل أقوالهم لاكتشاف ما يسوّغ الحكم بإخراجهم من دائرة المنهج.

السابع: توسيع دائرة تقديم العلم الشرعيّ للناس:

لقد كان من أهم منجزات التيار السلفيّ إحياء العلم الشرعي في الأمة بعد أن كادت سوقه أن تكسد، وعلى الرغم مما قُدم من جهد في نشر العلم الشرعيّ وإحيائه فلا تزال هناك تطلّعات عدة، ومنها:

-توسيع دائرة نشر العلم الشرعيّ؛ إذ لا يليق أن تبقى الاهتمامات بهذا العلم محصورة في إطار طلبة العلم الشرعيّ؛ فالحاجة للعلم الشرعيّ حاجة عامة وإن تفاوتت درجة هذه الحاجة.

-ومطلب توسيع دائرة نشر العلم لا ينتهي بمجرد الاقتناع النظريّ، بل هو يتطلب مراجعة أدوات نشر العلم وتقديمه لتحقق الانتشار الملائم، لا أن تجمد وفق أطر محددة يُطلب من الآخرين أن يتكيّفوا معها.

الاعتناء بتبسيط العلم الشرعيّ وتقريبه لغير المختصين؛ سواء ما يتّصل بالتدريس والتعليم، أو ما يتّصل بالتأليف، أو ما يتّصل بالبرامج الإعلاميّة؛ إذ النمط السائد قد لا يلائم إلا طلبة العلم المدركين للغة العلميّة الشرعيّة المتخصصة.

-توسيع نشر العلم الشرعي داخل التيارات الإسلاميّة الأخرى؛ فلا يليق أن يبقى التيار السلفيّ يرفع وتيرة نقد الآخرين بعدم اهتمامهم بالعلم الشرعيّ، بل لا بد أن يأخذ بمسؤوليته في تقديم هذا العلم للآخرين مراعيًا ملاءمته لهم أسلوبًا ومضمونًا.

الثامن: الارتقاء بالوعي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت