عبد الحميد الكبتي
ألا حمدا لك اللهم طابا ** فمن يحمدك لم يعدم ثوابا
ونضرع أن تجنبنا هوانا ** فمن هزم الهوى رشدا أنابا
لأولي الألباب ... والبصائر
ما الهجرة إلا حدث تاريخي في حركة الحياة ، ناتج من حركة هذا الكون ، وتعاقب الليل والنهار ، وأمسى هذا الحدث معلما وتأريخا لأمة الإسلام إلى يوم الدين ؛ به تدون الأحداث ، وتؤرخ ، وتسرد في كل مرة أحداث الهجرة في ساعاتها الأولى .
أمست الهجرة كحادثة تاريخية مجرد سرد لتفاصيل حركة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وسردا لقيام دولة الإسلام في المدينة المنورة ، هذا عند غالب الناس اليوم ، في ذهول أنها نتاج حركة الأيام ، وتداول الحياة ، وقصة بناء أمة .
وما القصص القرآني النوراني ، أو النبوي المبارك ؛ إلا وسيلة من وسائل التربية لكل الأمة ، ليس المقصود منها سرد القصص ومدى صحته ودقته - وهذا أمر لازم - بقدر ما تكون"العبرة"هي الخطوة الأولى التي يجب أن تكون في نفسية المتلقي لهذا القصص ، حتى تكون نافعة له .
1- { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } [ يوسف: من الآية111 ]
2- { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } [ آل عمران:13]
3- { يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } [ النور:44]
4- { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } [ الحشر:2]
5- { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى } [ النازعات:26]
هذه خمس آيات وردت فيها"عبرة"من مجمل قليل غيرها .
قال العلامة الأصفهاني ، في مادة"عبر":"أصلُ العَبْرِ: تجاوُزٌ مِن حَال إلى حال ، أما العُبُور فيختص بتجاوز الماء ... وعَبَرَ القوْمُ إذا ماتوا ، كأنهم عبروا قنطرة الدنيا ، والاعتبار والعِبْرةُ: بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد ..". مفردات ألفاظ القرآن .
ففي الآية الأولى في سورة يوسف عليه السلام جاءت العبرة بعد قصة يوسف الشيقة الجميلة ، مع ربط العبرة بأصحاب الألباب"أصحاب العقول".
وفي آية آل عمران جاءت العبرة بعد ما حدث في غزوة بدر ـ على أحد قولي المفسرين ـ وما تمثله من صراع بين الحق والباطل ، مع ربط العبرة بأصحاب البصيرة ؛ قال ابن كثير رحمه الله:"أي إن في ذلك لعبرة لمن له بصيرة وفهم ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد".
أما آية النور فوردت العبرة بعد آيات من قدرة الله تعالى سبحانه والتدبر في ملكوته ، ومن هذا الملكوت ظاهرة الليل والنهار ، قال صاحب الظلال رحمه الله:"والقرآن يجدد حسنا الخامد , ويوقظ حواسنا الملول . ويلمس قلبنا البارد . ويثير وجداننا الكليل ; لنرتاد هذا الكون دائما كما ارتدناه أول مرة . نقف أمام كل ظاهرة نتأملها , ونسألها عما وراءها من سر دفين , ومن سحر مكنون . ونرقب يد الله تفعل فعلها في كل شيء من حولنا , ونتدبر حكمته في صنعته , ونعتبر بآياته المبثوثة في تضاعيف الوجود".
والعبرة في إخراج اليهود من حصونهم وما تحويه نفوسهم من أخلاقيات مريضة ، والله تعالى تولى هذا الإخراج لمن أنكر النبوة وحاربها ، قال الطبري رحمه الله:"فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود الذين قذف الله في قلوبهم الرعب , وهم في حصونهم من نقمته , واعلموا أن الله ولي من والاه , وناصر رسوله على كل من ناوأه , ومحل من نقمته به نظير الذي أحل ببني النضير . وإنما عنى بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب , وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون".
وفي الآية الأخيرة ربط واضح بين خشية المرء وبين اعتباره ، بمقدار الخشية يكون الاعتبار ، مع أن السياق كان لقصة فرعون ، لكنه معنى عام للعبرة والخشية ، من خشي على نفسه ومستقبله وأمته وحياته حري به أن يعتبر ، ومن أحب أن تكون عبرته عميقة راقية لها أفعال عملية بعدها عليه بخشية الله تزيد من عبرته .