هذا التطواف في ظلال القرآن كي نعي أن الهجرة للاعتبار لمن كان صاحب بصيرة ، صاحب قلب وعقل ، صاحب خشية ونظر ، بذا تكون الهجرة دائما منبع تزود لكل معتبر ، وانتقال به من حال إلى حال . فهل ستكون في حياتنا محطة تغيير ! ، هل ستكون مكانا للانتقال من حال إلى حال !
صدق الله العظيم: { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [ يوسف:105]
و بين رحمتين ... نبدأ
ومن أمسى تضرعه المعاصي ** تجرع حسرة وأسى وخابا
وبات مضيعا من صد عطفا ** ومن يطرق لغير الله بابا
لن تكون البصيرة فاعلة ، ولا العقل متفاعلا ، لروح مرتكسة في سفول الخطايا والآثام ، ومن ثم لن يكون الاعتبار موجودا و عاملا ، أو أن يكون خاملا في حده الأدنى ؛ إذ الخشية التي تزيد العبرة لمعانا ونورا محاطة بهذه الظلومات النفسية من أثر المعاصي والآثام .
ومن رحمة الله بنا ؛ أننا في بدء كل عام هجري جديد نبدأ وقد منّ الله علينا بمنة المغفرة لذنوبنا ؛ رحمة مقسمة على قسمين ؛ قسم في آخر العام الهجري الماضي ، وقسم في بدء العام الهجري الجديد ، كي نبدأ في طهارة وطهر من أي عائق يمنع من الانطلاق في معارج القرب من الله ؛ بنفوس طاهرة ، وعقول زكية ، وأرواح ندية .
ففي يوم عرفة وهو التاسع من الشهر الأخير في العام الهجري ؛ يغفر الله لكل حاج صادق في حجه ، ملتزم بالهدي والهدى فيه ، قال عليه الصلاة والسلام: ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) متفق عليه . ولقوله عليه الصلاة والسلام: ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) ، رواه البخاري .
ومن لم يكتب الله له الحج فله مغفرة ؛ جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( صيام يوم عرفه أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ) . رواه مسلم .
فما بين حاج ملتزم صادق ، وبين صائم لعرفة بصدق ، يكون ختام العام الهجري الماضي ، بمغفرة وجنة ، وتكفير عامين .
ومع أيام العام الهجري الجديد تأتي الجائزة الأخرى ؛ فعن أبى قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صوم عاشوراء ( يكفر السنة الماضية ) رواه مسلم . فيدخل المسلم للعام الهجري الجديد بروح طاهرة خالية من الذنوب إن هو صدق وهجر الكبائر ، كما قال أهل العلم .
ولابد أن نقف هنا هنيئة في ختام العام بصيام ، والبدء فيه بصيام ؛ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:"وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة ، والقوى الباطنة ، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها ، أفسدتها ، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها ، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات ، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } " [ زاد المعاد 29/2 ] .
والصيام وإن كان فيه حفظ لصحة البدن - كما شهد بذلك الأطباء المُختصون - ففيه أيضًا: إعلاء للجانب الروحي على الجانب المادي في الإنسان ، فالإنسان - كما يصوره خلق آدم - ذو طبيعة مزدوجة ، فيه عنصر الطين والحمأ المسنون ، وفيه عنصر الروح الإلهي الذي نفخه الله فيه ، عنصر يشده إلى أسفل ، وآخر يجذبه إلى أعلى ، فإذا تَغلَّب عنصر الطين هبط إلى حضيض الأنعام ، أو كان أضل سبيلا ، وإذا تغلب عنصر الروح ارتقى إلى أفق الملائكة ، وفي الصوم انتصار للروح على المادة ، وللعقل على الشهوة .
يؤكد هذا أن الصوم تربية للإرادة وجهاد للنفس ، وتعويد على الصبر ، والثورة على المألوف ، وهل الإنسان إلا إرادة ؟ وهل الخير إلا إرادة ؟ وهل الدين إلا صبر على الطاعة ، أو صبر عن المعصية ؟ والصيام يتمثل فيه الصبران .
وجاء في الحديث: ( صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحَر الصدر ) [ رواه البزار ، كما في صحيح الجامع الصغير 3804. ومعنى"وَحَر الصدر": أي غِشَّه و وساوسه ، وقيل: الحقد والغيظ وقيل غيره ] . أ. هـ من كتاب فقه الصيام للقرضاوي .
إنها حكمة الله في تربية الأمة بختم هذا العام والبدء في التالي بهذه الروح الإرادية ، وهذا العلو على جذبات الأرض النفسية ، كي ندخل باب العام الجديد بروح جديد غير مرتكسة ، ولا هي بضعيفة الإرادة ، إنما بصبر وتربية على طاعة الله ، وعلى تقلبات الأمور بثبات وعزيمة ومضاء ، بل وعلى أمراض القلوب كما في حديث البزار .
غير أن الإرادة هي نقطة البدء للتحول ، إن وجدت بدأت الرغبة في التغيير والتحول ، وتبدأ تتنامى وتزيد ، وإن همدت وبردت ، أنّا للتغيير أن يطل على نفس لا إرادة فيها .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل ، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ) رواه مسلم .