اقرأ
خالد بن فهد البهلال 3/8/1423
ما عسى كاتب أن يكتب ليحث أمةً كانت أول كلمة في دستورها وكتابها الذي نزل من عند ربها هي كلمة ]اقرأ[؟!
إن الأمة بحاجة ماسة للتكوين الثقافي سواءً على مستوى الفرد أو الجماعة، ومن أبرز آليات ذلك القراءة المثمرة، فهي تصنع الأمم وترتقي بها، وتجعلها أكثر مقاومة للوافد الأجنبي، وتصبح الأمة القارئة أكثر تأثيرًا ، وأقل تأثرًا بالثقافات الأخرى .
القراءة الواسعة والاطلاع المتنوع، ومتابعة الجديد تصيب بنهم متزايد لمطالعة كل جديد ، والاستزادة منه، يقول الكاتب الأمريكي (إلف ستوكمان) : كلما كبرت جزيرة المعرفة زاد امتداد شاطئ الأسرار .
بالقراءة يطوي المرء المسافات، ويفيد من تجارب الآخرين، فيسمو فكره، ويحتد ذهنه، وتسرع بديهته وفطنته، ويتسع أفقه، وتثري معارفه، وتزيد ثقافته، وتكبر همته، ويحسن رأيه، وتُصقل شخصيته، ويستقيم لسانه، ويستثمر وقته، وتكثر براهينه، وتقوى حججه، ويرتفع قدره، ويعلو شأنه .
في هذا العصر انفجار معلوماتي هائل، والذي لا يتابع ويجد في المتابعة، ويقرأ بنهم متزايد فإنها ستشيخ معلوماته، وسيتقدم عليه أقرانه، وتتراكم منتجات البحث العلمي ولما يقطف نوارها ويجني أزهارها .
يقول أحد الباحثين: إن على المتخصص المعاصر أن يضع في حسبانه أن نحوًا من 10ـ20% من معلوماته قد شاخ وعليه أن يجدده .
إن أعراض الشيخوخة والهرم تعتري الثقافات بشكل مستمر ما لم تصقل وتجدد بدوام الاطلاع، والمتابعة لكل جديد مفيد، حتى لا يتدهور المخزون المعرفي الذي في عقولنا، والمرء مع مداومة القراءة والاطلاع الحر يترقى في مدارج الفهم والإدراك والاستيعاب والوعي، وهكذا كان دأب السلف الصالح، فقد روى صالح ابن الإمام أحمد بن حنبل فقال: رأى رجل مع أبي محبرةً فقال له: يا أبا عبدالله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين، فقال:"من المحبرة إلى المقبرة".
إن مصادر المعلومات ووسائل التثقيف كثيرة جدًا، لكن أبرزها وأساسها على الإطلاق هو الكتاب، وهو خير جليس ونعم الأنيس، وهو أرخصها ثمنًا إذا ما قورن بغيره .
وللشاعر الكبير أحمد شوقي في تحلية كتاب:
أنا من بدل بالكتب الصحابا ... ...
لم أجد لي وافيًا إلا الكتابا
صاحب ـ إن عبته أو لم تعب ـ ... ...
ليس بالواجد للصاحب عابا
كلما أخلقتُه جددني ... ...
وكساني من حلى الفضل ثيابا
صحبة لم أشك منها ريبة ... ...
وودادٌ لم يكلفني عتابا
رب ليل لم نقصِّر فيه عن ... ...
سمر طال على الصمت وطابا
إن يجدني يتحدث أو يجد ... ...
مللًا يطوي الأحاديث اقتضابا
تجد الكتب على النقد كما ... ...
تجد الإخوان صدقًا وكذابا
فتخيرها كما تختاره ... ...
وادخر في الصحب والكتب اللبابا
صالح الإخوان يبغيك التقى ... ...
ورشيد الكتب يبغيك الصوابا
إن البدايات دائمًا شاقة وأعنف ما فيها المرحلة الأولى، وربما كان من أسباب صعوبتها ضعف نتائجها ؛ لأن النتائج لا توازي الجهد المبذول، لكن يهوَّن ذلك وييسره معرفة الثمار المجتناة من ذلك، والعاقبة الحميدة التي يصير إليها بإذن الله .
ومن يمارس رياضة الجري باستمرار يكتسب لياقة ومهارة، وكذلك القراءة رياضة تحتاج للدربة والاستمرار حتى يكتسب القارئ اللياقة الكافية، ويكوِّن عادة القراءة الممتعة، وذلك بقراءة المكتشف الذي يجهد لتنمية عقله، وتوسيع قاعدة فهمه، فيصبح بارعًا في قراءته متمتعًا بها .
ومما يدفع إلى القراءة وجود مكتبة منزلية مناسبة تحوي الجديد المفيد من أنواع العلوم والمعارف والكتب الضاربة في عمق التاريخ التي تحوي العبر والدرر، والكتب العصرية المناسبة لتغذية العقل وتنويره، وتخصيص وقت للتقليب في رفوفها، وإعطاؤها حقها اللائق بها .
وما المرء إلا من جليسه يصاب بالعدوى من حيث لا يشعر، فمن يجالس العامة وكبار السن يكتسب منهم الشيء الكثير من الخبرة والتجربة، والذي يجالس المثقفين والمفكرين ليس كمن يجالس السوقة والرعاع، فليختر المرء لنفسه من يفيده من الخير والعلم ويزيده، وليحرص على تكوين رابطة لأصدقاء الكتاب يكون لهم جلسة يتم خلالها استعراض المقروء من الكتب، ومتابعة الجديد منها .
إن مما يغبط عليه كثير من الناس كثرة الفراغ، ولو أنهم استثمروه في القراءة المفيدة لاشتكوا ضيق الوقت ومحاصرته لهم، ولما ملوا وأملوا، وسرقوا أوقات غيرهم، فقد كان السلف يشتكون من لصوص الوقت الذي لا جهد لهم إلا في التوافه وسفاسف الأمور، وهؤلاء مشكلتهم أنهم لا يقرؤون، إذ لا أهداف لهم إلا تزجية الفراغ فيما لا يفيد .