فهرس الكتاب

الصفحة 3373 من 27345

... ونجد أمامنا في هذا السياق قول المصطفى صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي أراد الدخول إلى المسجد وهو يحدثه عن دابته التي تركها فضاعت، فقال له:"اعقلها وتوكل". لقد حدد المصطفى صلى الله عليه وسلم هنا قضيتين هامتين:

• ... القضية الأولى وهي الأخذ بالأسباب، سواءً كانت في الإعداد، أو في التدخل بتحريك أحجار الشطرنج. وهنا يجب أن يتم الفعل كاملًا، لأن المراد من قوله"اعقلها"ضبط الأمور، واستنفاد الجهد والطاقة وأقصى الوسع في الأخذ بالأسباب.

• ... بعدها لا يبقى أمام الإنسان إلا القضية الثانية وهي أن يكل أعماله إلى الله سبحانه وتعالى وفضله ونعمته"وما النصر إلا من عند الله".

ماذا يقول الاستراتيجيون ؟

إن أقوالهم لا تختلف كثيرًا، حيث يقول سان تسو المنظر الصيني الاستراتيجي المعروف: بعد تمام الاستعدادات لا يتحقق النجاح إلا إذا وجد ضعف في استعدادات الخصم، بمعنى آخر أننا نمتلك خمسين في المائة من أوراق اللعبة أو الصراع والتي تكمن في تمام الاستعدادات أوالإعداد الكامل، أما الخمسون في المائة الأخرى فتقع في دائرة ضعف الطرف الآخر، بأن يغفل عن جزئية من الجزئيات، أو عن جانب من الجوانب، فيتم اقتناص هذه الفرصة الناتجة عن غفلة الخصم.

ويقول المنظر الألماني المشهور كلاوزفيتز في كتابه فن الحرب:"بعد أخذ كل ما يمكن عمله في الحساب، فإن هناك فرصة خمسين في المائة من النجاح، والباقي يمكن أن تعزوه لإرادة الله إذا كنت مؤمنًا، أو الحظ إذا لم تكن مؤمنًا. ولكن المهم عندي أنك تملك خمسين في المائة من الأوراق، لكن هذه الخمسين في المائة يجب أن يقام بها على أكمل وجه؛ من الناحية الحركية والمهنية والترتيب والاهتمام والدقة".

وفي حالة الفشل يجب مراجعة هذه المنظومة مراجعة كاملة، وعدم إرجاع الفشل إلى الله سبحانه وتعالى. فالقرآن خاطب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب هزيمتهم في أحد بقوله:"أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم" (آل عمران:165) . أي راجعوا منظومتكم، وانظروا كيف حدثت الأخطاء ومن أين جاءت؟ بالتالي تحدث الاستفادة والنمو المستمر. أما في حالة تحقق النصر فتأتي القضية الثانية:"وما النصر إلا من عند الله"فيبدأ شكر الله على نعمائه وفضله ومنته وكرمه، والعزم على تحسين الأداء:"ليبلوكم أيكم أحسن عملا ً"فتتكامل المنظومة الإسلامية بين عمليات المراجعة في حالة الفشل،

والتطوير في الأخذ بالأسباب كاملة عملًا بنظرية اعقلها. ثم بعد ذلك بالتوكل على الله سبحانه وتعالى في جميع الأسباب والشروط تحقيقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم"وتوكل". أما عند إهمال الأخذ بالأسباب والتقصير الشامل الكامل على المستوى المهني والحِرَفي والحركي والتقني والإداري والتخطيطي، سواءً على مستوى القيادات أو المنظمات، ثم عزو النتائج إلى الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك لم يحدث حتى للأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه. فالمصطفى صلى الله عليه وسلم ذاق حلاوة النصر ومرارة الهزيمة، لكنه في حالة الهزيمة لم يقل أنها قدر لابد منه، وأن جيشنا كان الأقوى والأفضل والأكثر انضباطًا وما الهزيمة إلا قدر لا يمكن منعه، ولكنه قال لصحابته ما أخبره به ربه"قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم" (آل عمران:165) ، أي راجعوا منظومتكم بالكامل، وصححوا أخطاءكم، ثم ثقوا بالله سبحانه وتعالى، وانطلقوا إلى محاولة أخرى. بذلك يصلح العقل المسلم، ويصبح قادرًا على تطبيق نظرية"اعقلها وتوكل"، لكن إذا أسيء استخدام هذا المعنى، بحيث تصبح جزئية"توكل"هي الأساس، وتصبح جزئية"اعقلها"هامشية، فسندخل في عملية الجبرية والتواكل، وليس في عملية التوكل.

التنظيمات الكبيرة والصغيرة

... إن قدرة المنظمات الصغيرة على الاستفادة من الأحداث تكون أكبر من المنظمات الكبيرة، إذ أن المنظمات الكبيرة لها موازناتها وحساباتها، وغالبًا ما تخشى إذا فشلت أن يتم سحقها، أما الصغيرة، فإنها تكون مرنة، وتستفيد من الأزمات، التي تعتبرها فرصًا ذهبية لكي تتحرك. كذلك نرى الدول الكبرى قد تستخدم أجهزة استخباراتها لخلق أزمة ما، لكنها لا تقوم بها كدولة بشكل سافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت