فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الشيخ / سامح قنديل
بعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ، ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ، عاد الأنصار إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم بتلهف كبير . وأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن ، الذي اختاره الله مهجرًا لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم .
ولم تكن الهجرة مجرد التخلص من إيذاء المشركين أو الفرار من الفتنة في الدين ، بل كانت كذلك إيذانًا بميلاد دولة الإسلام ، وإقامة مجتمع التوحيد الذي تهفوا إليه نفوس المؤمنين .
وإذا كان امتحان المسلمين قبل الهجرة متمثلًا في الإيذاء والتعذيب وتحمل ألوان السخرية والاستهزاء والتكذيب فإن الهجرة كانت تمثل امتحانًا ليس أقل ضراوة ، حيث سيترك المهاجر الأوطان والديار والقرابات والأموال ، والأصحاب والذكريات ، بل سيغامر بنفسه وربما فقدها في أثناء الطريق ، فقد سعت قريش بشتى الطرق إلى عرقلة الهجرة أمام المهاجرين ، مرة بحجز أموالهم ومنعهم من حملها ، ومرة بحجز زوجاتهم وأطفالهم ، وثالثة بالاحتيال لإعادتهم إلى مكة ، لكن شيئًا من ذلك كله ، لم يعق موكب الهجرة ، فالمهاجرون كانوا على أتم استعداد للانخلاع من أموالهم وأهليهم ودنياهم كلها تلبية لنداء العقيدة ، ونصرة لدين الله وتأسيسًا وإقامة لمجتمع الإيمان .
لقد ضرب المسلمون بهجرتهم أروع أمثلة التضحية من أجل الدين ، فهذه أم سلمة تحكي قصة هجرتها مع زوجها وابنها ، وهم أول أهل بيت هاجر ، فلما رآه أصهاره مرتحلًا بأهله قالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها ! أرأيت صاحبتنا هذه ؟ علام نتركك تسير بها في البلاد فأخذوا منه زوجته ! ، وغضب آل أبي سلمة لصاحبهم فقالوا: لا و الله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا ! وتجاذبوا الغلام بينهم حتى خلعوا يده ! وانطلق أبو سلمة مهاجرًا وحده إلى المدينة ، وحبست أم سلمة عند قومها وذهب قوم أبي سلمة بالولد ! قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني ! فكنت أخرج كل غداة بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي ، سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي فرحمني ، فقال لقومه ألا تخرجون هذه المسكينة ، فرَقتم بينها وبين زوجها وولدها ؟ فقالوا لي الحقي بزوجك إن شئت ، فاسترجعت ابنها من أعمامه ، وارتحلت بعيرها ، فخرجت بولدها تريد المدينة ما معها من أحد من خلق الله . وفي الطريق لقيها عثمان بن طلحة ، وكان مشركًا فأخذته مروءة العرب ونخوتهم فقال: ما لهذه من متْرَك فانطلق بها يقودها إلى المدينة ، كلما نزل منزلًا استأخر عنها مروءة . كما قال صاحبه الجاهلي:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها
فلما وصل قباء قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله ثم انصرف رجعًا إلى مكة . فكانت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ تقول: و الله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة . وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة .
قصة هجرة عجيبة ، وأعجب منها موقف ذلك المشرك الذي صاحب هذه المرأة المسلمة التي ليست على دينه ليوصلها ، وأحسن معاملتها ، وغض بصره عنها طيلة خمسمائة من الكيلو مترات قطعها في أيام ، ثم عاد إلى مكة دون راحة . فأي مروءة ، وأي شهامة يتعلمها شباب المسلمون الآن من رجل كافر ملك نفسه وملك إرادته ، وغض بصره ، إنها سلامة الفطرة التي قادته أخيرًا إلى الإسلام بعد صلح الحديبية .
ولعل إضاءة قلبه بدأت منذ تلك الرحلة مع المرأة المسلمة .
ومن الصور المضيئة لتضحيات المهاجرين ـ رضي الله عنهم: هجرة صهيب ـ رضي الله عنه ـ فإنه لما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ! و الله لا يكون ذلك ! فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي ، أتخلون سبيلي ؟ قالوا نعم ! قال: فإني قد جعلت لكم مالي . فبلغ ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ربح صهيب .
وهكذا أخذ المهاجرون يتركون مكة تباعًا ، حتى كادت تخلوا من المسلمين ، وشعرت قريش أن الإسلام أضحت له دار يأرز إليها ، وحصن يحتمي به ، فتوجست خيفة من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهاجت في دمائها غرائز السبع المفترس حين يخاف على حياته فقررت قتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للقضاء على الدعوة التي أقلقت مضاجعهم . فأخبر الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكرهم { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ُ وَ الله ُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } … (الأنفال:30) .