فهرس الكتاب

الصفحة 23176 من 27345

مراتب الكافرين مع القرآن الكريم في سورة فصلت ...

{ولو جعلناه قرآنًا أعجميًّا لقالوا لولا فُصّلت آياته ءَاْعجميٌّ وعربيّ، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصّلت:44]

سورة فصّلت أُسُسُ موضوعاتها هو الحديث عن العلاقة بين القرآن العربي الكريم وبين مستمعيه، فهي تعظ أهل الإيمان بالطريقة الصحيحة لتلاوته الفاهمة العالمة حتى يحصل أثره الذي أنزله الله تعالى من أجله، كما قال تعالى في السورة: {وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنّه هو السميع العليم} .

والشيطان لا ينزغ إلا عند الطاعة، وقد حذّر الله تعالى منه حين حضور العبد لطاعة ربّه أكثر من تحذيره في مواطن أخر، ولذلك قال تعالى:

{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله إنّه هو السميع العليم} ، لأنّ الشيطان لا يحضر في البيوت الخربة ولا عند المفلسين، بل يحضر عند القلوب العامرة ليفسد عليها عمرانها وما فيها من خير، وممّا يُروى أنّ يهود افتخرت على المسلمين بأنّها لا توسوس في صلاتها، فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما:"وأي خير في قلوبهم وصلاتهم حتّى يوسوس فيها الشيطان؟"ولذلك فإنّ هذا الخبيث يحضر عند الصلاة وعند الوضوء وعند الصدقة وعند القتال وعند قيام الليل، وفي كلّ ذلك وردت أحاديث صحيحة فانتبه لهذا وتذكّر حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه لما شكى له وسوسة الشيطان وشدّة ما يلقون في ذلك، فقال له صلى الله عليه وسلم:"أوجدّتموه -أي الوسوسة- ذلك صريح الإيمان، الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة".

وقد ذكرت السورة -متفرّقا- شأن الكافرين مع هذا القرآن العظيم، وكيف يسمعونه ويحاورون أهله، وهي مع وجودها عند أعداء الكتاب الكريم، إلا أنّها تحمل التحذير لأهله لئلاّ يقعوا موقعهم:

أ- {وقالوا قلوبنا في أكنّة ممّا تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} [فصلت:5] . هكذا أغلق الكافرون كلّ وسائط العلم لما يتلوه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأتباعه عليهم، فقد أكنّوا قلوبهم، أي جعلوها في"كِنّ"، وهو الوعاء الحافظ لما فيه فلا يسمح بدخول شيء عليه، هذا إن وقع على أسماعهم شيء من آياته، ولكنّهم لخوفهم أن تتأثّر قلوبهم من آياته إن وقعت عليها فقد صنعوا حاجزًا سابقًا عن القلب، هو الحاجز في الأسماع، فقد صممناها عن السماع وأغلقناها أن يدخل فيها شيء من هذا الكلام. ثمّ زيادة في إبعاد هذا الكلام عنهم جعلوا بينهم وبينه حجابًا، ولذلك قال تعالى قبل هذه الآية: {فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} .

وأنت أخي الحبيب لو تفكّرت في قوله تعالى عنهم: {وقالوا قلوبنا في أكنّة..}

لوجدّت أنّ هذه الحواجز قد ذكرها الله تعالى مرتّبة على درجة الأهمّية، فالقلب هو وعاء الفهم والإدراك والإحساس، وهو منطلق الشعور الذي تحصل به الإرادة، فهو محطّ تسمية الإنسان إنسانًا، ومقصد القرآن هو البلوغ إلى هذا المرجل الذي لا حياة للإنسان بدونه، ثمّ ذكر الربّ السمع وهو واسطة الإنسان نفسه بينه وبين العلم والقرآن، ثمّ ذكر الربّ المانع الخارجي والذي لا يحصل السماع مع وجوده، وهذا تفصيل له أهمّيته لغفلة الناس عنه.

وهذا قسم من أقسام أعداء القرآن لا يريدون سماعه ابتداءً، بل هم يخافون من سماعه، وأظنّ -والله أعلم- أنّ هذا القسم عنده القدرة على تذوّق الكلام الجميل الحسن، وأنّهم يطربون لبلاغات البيان الراقي الرفيع، ولمّا كانوا كذلك، وعلموا أنّ هذا القرآن مما يملك على سامعه نفسه وعقله ووجدانه، وأنّه مَلَكَ ناصية البيان، بل تجاوزها إلى رحاب يحسّونها في أنفسهم ولا يستطيعون إنكارها، لذلك سارعوا إلى وضع الحواجز الداخلية والنفسيّة والخارجيّة حتّى لا يسمعوا لهذا القرآن، فأبعدوه بالحجاب، وأغلقوا عليه منافذ الولوج إلى داخلهم، ثمّ حصّنوا قلوبهم بغلف ثخينة ثقيلة، ذلك لأنّهم يعرفون ما لهذا الكلام من وقع على آذانهم وقلوبهم، فستطرب له آذانهم رغم أنوفهم، وستؤمن له قلوبهم من غير رضاهم، وهم يكرهون هذا.

وقد يقول سائل:"هل تؤمن القلوب من غير رضا أصحابها؟"

الجواب: نعم، وإن شئت فاقرأ قوله سبحانه وتعالى: {وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى} [فصلت:17] ، واقرأ قوله تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل:14] ، وغيرها من الآيات التي تدل على أنّ القلوب قد تذوّقت الحقّ وعرفته معرفة يقينيّة، ولكنّهم كرهوا هذه المعاني الإيمانية ورأوها تصادم أهواءهم وشهواتهم ودنياهم، فتصارعت معاني الإيمان في قلوبهم مع الموانع من هذه الشهوات فغلبت الشهوة تلك المعاني، وذهب الإيمان تحت أركام العلو والظلم والاستكبار، ولذلك استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة، ورغبوا عن رضا الله إلى رضا الشهوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت