فهرس الكتاب

الصفحة 13865 من 27345

أحمد حمدان*

يظل الاعتراف بالذنب خلقًا نادرًا في مجتمعاتنا الصغيرة (الأسر) ؛ وبالتالي في مجتمعنا الكبير!؛ فلا يزال الاعتراف بالذنب صعبًا؛ ومستبعدًا؛ لاعتبارات تربوية، وتقاليد نمطية متوارثة؛ لم تتنور بما شاع من علم ودين، أو بما بدأ ينتشر من وعي في مجتمعنا.

فما زال المخطئ يخطئ، ثم يخطئ، ولا يزال - أبًا كان أو أمًا أو أخًا كبيرًا - متحفظًا بتلك الصفات (الاجتماعية) التي تعطي (المخطئ) حصانة اجتماعية ضد النقد، فضلًا عن أن يعترف هو بخطئه!.

وأسوأ من الحصانة الاجتماعية الحصانة الدينية التي تؤدي الدور نفسه وأعظم؛ فبالإضافة إلى ضربها سورًا عظيمًا حول المخطئ فإنها تعطي انطباعًا سيئًا عن التدين.

فبعض من المتدينين يعامل من يراهم غير متدينين بغلظة، وجفاء، وبكثير من اللوم، والعتاب، والتوبيخ؛ بموجب تدينه!؛ خاصة عندما يكون في بداية الطريق، ثم يتبين له من بعد أنه أغلظَ، وانتهرَ، وعاتب في غير مكان غلظة أو عتاب.. ثم يصر مستكبرًا؛ دون قصد، أو دون وعي لا أدري!!.. إن الاعتراف بالخطأ يظل خلقًا نادرًا؛ لسبب أراه أساسيًا؛ وهو عدم تربية النشء عليه في أسرنا السودانية؛ فكثيرًا ما نجد أن موقف الطفل أسلم، وأفضل في بعض المواقف إلا أن الأم، أو الأخت الكبرى تصر على موقفها؛ فيُكَوِّن هذا الوضع تناقضًا داخليًا لدى الطفل؛ مما يؤثر في ثقافته الاجتماعية مستقبلًا.

وقد يتخذ الشاب موقفًا معينًا في الأسرة قد يكون في شأن دراسي أو علمي؛ فتثور عليه ثائرة القوم، ثم يتبين للجميع أن موقف الشاب الصغير كان صحيحًا (ميه ميه) .. فيتغاضى الجميع عن الأمر!!؛ فيصير الشاب إلى نارين.. نار الرفض، ثم نار التجاهل.. وأعظم بهما من نارين!!.

بعد مدة قرأت ملاحظاتي التي كنت كتبتها مسبقًا حول الاعتذار؛ فوجدتني محاطًا بعبارة أكررها دائمًا في المجالس: (الكلام دا من ناحية عملية بِتْعمل(بيتعمل) كيف؟).. فآليت على نفسي نشر ثقافة الاعتذار، وترويجها في مجتمعي الصغير (مجتمع التدريس) ؛ فأخذت أكررها للطلبة، بل لتلاميذ الأساس.. وذات مرة أخطأَتْ طفلةٌ رائعة اسمها (فاطمة الزهراء) ، ولما رأت الغضب باديًا على وجهي قالت بذكاء: يا أستاذ ثقافة الاعتذار!.. وكانت تقصد أنها تريد الاعتذار عن الخطأ؛ فأعجبت بذكاء الطفلة، وبفكرة (ثقافة الاعتذار) ؛ ثم حاولت نشر هذه الفكرة بين طلبة المدارس الإنجليزية؛ فوجدت تجاوبًا ما كنت أتوقعه؛ حتى إن بعض الأطفال كان يقول لي: يا أستاذ شوف دا ما قال ليك I'm sorry.

ثم تأملت في التجاوب مع الفكرة من قِبَل الأطفال؛ فقلت في نفسي: لماذا لم نربَّ على مثل هذه القيم؛ حتى إن أحدنا الآن لا يستطيع الاعتذار لأستاذه في الجامعة، أو لصديقه في العمل، فضلًا عن أن يعتذر (للكمساري) ، أو (لماسح الأحذية) ، أو غيرهما؛ ممن يقدمون لنا خدمات جليلة!!.. ثم حاولت التفكير في أسباب هذا (الاستكبار المتوارث) ؛ فوجدتها سببًا واحدًا برأيي؛ وهو عدم التفكير في الفعل قبل الإقدام عليه، وعدم الاكتراث به بعد ذلك!!..

وهذا الإقدام اللامدروس، واللامبالاة المدروسة وجدتها أساس الداء في هذا (الاستكبار المتوارث) الذي نتعامل به.

إلى هنا انتهى ما عندي.. ثم استمعت إلى نشرة أخبار المساء؛ فإذا بتصريح مقتضب للرئيس الأمريكي بوش: كان ذهابنا إلى العراق نتيجة معلومات استخبارية خاطئة، وأنا بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية أعلن مسؤوليتي عما حدث، وكذلك مسؤولية تصحيح ما جرى!!.. فقلت في نفسي كعادة الشرقيين: (نحن أصحاب الحضارة الرفيعة، ونحن الذين علمناهم هذه الشفافية - وإن كان كاذبًا فيها -، ونحن الذين قلنا قديمًا: إن الاعتراف بالذنب فضيلة، والاعتراف بالخطأ خير من التمادي في الباطل) !!.. ثم نمت على هذه (النغمة الساذجة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت