فهرس الكتاب

الصفحة 10094 من 27345

الكُرَّار هم أصحاب القرار!

بموازين القسط والعدل، قامت السموات والأرض، فما يحيد عنها بعد ذلك إلا كل فتَّان ذي ضلالة، أو خوَّان ذي غرض، أو امرؤ ذو هوى استحكم في قلبه مرض، فليس يعبأ بعد ذلك إن هو تاجر بالذمة والضمير لقاء أرب رخيص وغرض.

من هنا فهؤلاء الذين صنعوا من دمائهم قناديل لأمتهم تنور لهم المسالك، وتهديها سبلها إذا ما اكتنفتها الظلمات الحوالك، وتربأ بها أن تنزلق في مساخط توردها موارد المهالك، هؤلاء ينبغي أن تقتفى آثارهم، وتتبع خطواتهم، ويسمع صدى لصيحاتهم.

أليس من سل سيفه يروم السمو، لا يبغي الفساد في الأرض ولا العلو، إنما هدفوا نحورهم للعدو، نصرة لمبادئ امتثلوها، وحقوقًا مسلوبة همُّوا أن ينتزعوها، وأرضًا مغصوبة عزموا على أن يحرروها، ومقدسات مدنَّسة تقاسموا أن يطهروها، أليسوا حقيقين بأن يكونوا أهل حل وعقد؟، وجديرين بأن يكونوا أهل تقييم ونقد؟، لا سيما إذا ما حمي الوطيس، وجد الجد، بالتالي فكل ما من شأنه أن يقدم بين أيديهم، أو من صنع القرار يستثنيهم فهو رد.

فأيُّما جماعة مجاهدة هذا ديدنها، وهذه مقاصدها، وتلكم وجهتها، كافأها العزيز الغفار بأن أسند إليها القرار، بعد أن حباها بملكات، وحفها بنفحات، وخصها بفتوحات، تمكنها من حل المعضلات، والخروج بمواقف نيِّرات، في خضم الفتن والأزمات، حيث قال جل شأنه: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) (العنكبوت) ، قال ابن زيد:"قوله جاهدوا فينا: أي قاتلوا فينا" (تفسير الطبري:21-15) .

لذا قال سفيان بن عيينة:"إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: لنهدينهم سبلنا (تفسير القرطبي: 13-242) ، ذلك أن لأهل الجهاد من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة، ممن هم في جهاد الهوى والشيطان، لأنه لا يوفق في جهاد العدو الظاهر إلا من هو لعدوه الباطن قاهر، من هنا يكون المولى عزَّ وجل"قد علق الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل منه" (ابن القيم: الفوائد-59) ."

وقد فطن السلف الصالح رضوان الله عليهم لهذه الأمور، فها هم جهابذة علمائهم يحيلون على أهل الثغور، ما أشكل عليهم من مسائل ونزل بساحتهم من معضلات الأمور، وحسبك في هذا قول ابن المبارك والأوزاعي:"إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (العنكبوت:69) ، (ابن القيم مدارج السالكين 1-510) ."

قال السعدي:"هذا كله يدل على أن أولى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد" (تفسير السعدي 636) .

فإذا كان ذلك كذلك توجب المسير إليهم، للوقوف على وجهات نظرهم، لنتلقفها منهم، فيكون عليها التجمع والتلاق، إذا ما عجت الساحة بالجدل والشقاق، وخيَّمت على الأمة بوادر انشقاق... أما أصحاب الهوى وأهل الأهواء فلا انجراف وراء آرائهم ولا انسياق، إذ لا يعقل أن يستمع إلى الفرَّار، في حين يصيب الآذان وقر إذا ما تكلم الكُرار! إن ما يصوغون بدمائهم القرار، وهم مرابطون على خطوط النار، يحرسون شرف الدار، ينشدون بذا مرضاة الواحد القهار، لهم آمنُ على مصالح الأمة، وأقدر على محو الثلمة، وأصدق في كشف الغمة، ممن يهرولون لاصطناع كيانات هزيلة، في ظلال قوى دخيلة، يأتمرون بأمرها وينتهون بنهيها.

وبعد: فإذا كانت المواقف البهية ثمرة ناجمة عن دماء زكية، يجود بها بررة، فأي عدالة تسوغ أن يهيمن على القرار رويبضات فجرة، في حين يجرد منه مَنْ مهروا دماءهم لعز أمتهم، وباعوا لله أنفسهم، لتحرير أولى قبلتهم ومسرى نبيهم ص؟! فإن لم يكن بذل النفس مخولًا لتبوؤ مقعد اتخاذ القرار والإدلاء بالرأي، وحجة دامغة تلجم من يريد أن يستأثر به من أهل الزيغ والغي والبغي... فبأي حديث بعده يؤمنون؟ وبأي حجة بعدها يحاجّون؟!.

وأخيرًا أجبته

يا ولدي لا تعجز، فأنت ابن الإسلام وابن العروبة والسؤدد،، فلو خذلناك نحن، فتذكر أعمامك وأخوالك أبابكر والفاروق عمر وخالدًا وعمر بن عبد العزيز وأسد الله حمزة، ، وتذكر أخاك أسامة قائدًا لجيش المسلمين وهو في الخامسة عشرة، وعمير بن أبي وقاص الذي كان يتخفى وسط الجنود لصغر سنه حتى لا يرجعه النبي عن الجهاد. ثم اجتر يا ولدي صور النصر من بدر والخندق ومؤتة وتبوك وحطين، وتذكر أيضًا صلاح الدين،، وإن كنا لا نصلح لك اليوم قدوة فيكفيك أن رسول الله ص لك قدوة،، تذكره يا ولدي وأحبه وعش على نهجه واتبع سنته ولا تترك منها واحدة حتى تحبه أكثر مني ومن أمك،، بل من نفسك،، فمهما طال الغيم فلابد للشمس أن تشرق،، ومهما غبروا لك الصورة فامسح عنها غبار الحقد والجهل حتى تلمع أو تظهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت