فهرس الكتاب

الصفحة 26934 من 27345

الصفحة 1 لـ 3

الموضوع الأول

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه .. أما بعد:

فإن الله عز وجل خلق الخلق من الجن والإنس لغاية عظيمة ، وهي عبادته سبحانه وتوحيده والإخلاص له وحده لا شريك له ، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) )

[الذاريات: 56] .

ومن أجل ذلك أنزل سبحانه الكتب وأرسل الرسل ، وزود عباده بالعقول التي تميز الخير من الشر والحق من الباطل ، وتكفل سبحانه بالعون والتوفيق لمن أراد الهدى والحق فدله إليه ورزقه الانقياد له ، وتخلى عمن أعرض عن الحق فلم يقبل به ، ولم يستسلم ويخضع له ، وكل هذا من الابتلاء الذي خلق الله سبحانه الموت والحياة من أجله ، قال تعالى: (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) )) [الملك: 2] .

وانقسم الناس إثر ذلك إلى مؤمنين موحدين مدركين للغاية التي من أجلها خلقوا ، فصار تدوافعهم كلها في مرضاة الله سبحانه ، وسخروا كل ما آتاهم الله في هذه الدنيا لخدمة هذه الغاية الشريفة لنيل مرضاة الله سبحانه وتعالى ، فعملوا للآخرة والفوز برضوان الله والجنة ، ومن الناس من أمضى حياته في اللهو واللعب وإيثار الحياة الدنيا ، وجعل هذه الدنيا همه وغايته واتبع هواه ، فخسر الدنيا والآخرة ، ألا ذلك هو الخسران المبين .

ثم إن الفئة المؤمنة لم تسلم كذلك من الفتن ، وكيف لا يكون ذلك وعدوها الشيطان الرجيم متربص بها لا يفتأ يضلها ويزين لها ويخدعها ؟ يقول الله عز وجل عن إبليس اللعين: (( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) ) [الأعراف: 16 ، 17] ، وقال تعالى: (( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) ) [الحجر: 39 ، 40] .

أحابيل الشيطان:

إن من أعظم الفتن التي يفتن الشيطان بها العباد ، فتنة التزيين ولبس الحق بالباطل وإتباع الهوى في ذلك ، ولقد وقع في هذا الشَرَك الخطير كثير من الناس وبخاصة في زماننا هذا ، حيث تموج الفتن موج البحر، وحيث كثر الخداع والنفاق والدجل والرياء .

نعم إننا في زمان اشتدت فيه غربة الإسلام ، وضُلل كثير من الناس وتمكن الشيطان من كثير منهم تمكناً يظنون معه أنهم بمنأى عن عدوهم اللدود وعلى صلة بربهم سبحانه وتعالى ، وما ذلك إلا بسبب التباس الحق بالباطل والجهل بالعلم ولتعاون شياطين الجن والإنس: (( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) ) [الأنعام: 112] .

فتعاونوا في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال مزخرفة ، وألفاظ من القول خادعة ، وتسمية للأشياء بغير أسمائها فَضَلّ بسبب ذلك كثير من الناس ، والعاقل منهم من وقف حائراً لا يدري أين وجهة الحق فيما يسمع ويرى من التناقضات وتبرير المواقف الخاطئة المخالفة للشريعة ، بسبب استيلاء الهوى على النفوس واستيلاء الشهوات على القلوب .

ولما كان من غير المستطاع المجاهرة برد الشريعة ورفضها ، كان لابد لهم من لي أعناق النصوص من آيات وأحاديث ليستدل بها أولئك المبطلون على المواقف المنحرفة وليست فيها دلالة عليها ، ولو أن الذي يقع في الانحراف يعترف بذنبه وخطئه وضعفه في مخالفة الشريعة ، لكان الأمر أهون ، وكذلك لو أنه استدل بدليل في غير محله ولما نُبّهَ إلى هذا الخطأ في الاستدلال رجع واعترف لكان هذا أيضاً أهون ، ولكن المصيبة أن يصر المسلم الذي حَرّفَ الأدلة ولواها ليجد لعمله

مَخْرَجَاً وشرعية ، فيكابر بعد بيان الحق له ، ويغالط نفسه والمسلمين بصنيعه هذا.

منطلق هذه الوقفات:

* إننا في زماننا هذا نرى صوراً كثيرة من لبس الحق بالباطل ، وصوراً أخرى من المغالطات والخداع والحيل المحرمة في شرع الله عز وجل ، فكان لزاماً على الدعاة والمصلحين أن يحذروا من الوقوع في هذا المزلق ، وأن يكشفوه للناس ولا يدَعُوهم لأهل الأهواء يلبسون عليهم دينهم ويحرفون الكلم عن مواضعه ، ومعلوم ما ينتج من وراء ذلك من الفتن والتضليل .

* من أجل ذلك جاءت هذه الوقفات التربوية في ضوء القرآن الكريم لمعالجة هذا الموضوع المهم على ضوء الكتاب والسنة وما ذكره العلماء الفحول ، وقد اخترت عنواناً لها قوله تعالى: (( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ) )، وهو جزء من آيتين كريمتين وردت إحداهما في سورة البقرة عند قوله تعالى: (( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [البقرة: 42] والأخرى في سورة آل عمران

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت