فهرس الكتاب

الصفحة 6209 من 27345

يطرح الكاتب العسكري محمد جمال الدين محفوظ (1) في كتاب له السؤال المنطقي التالي: هل يقبل العقل أن تكون الشجاعة، وقوة العقيدة وحدهما وراء النجاح في العمليات الحربية للمسلمين دون أن يكون معهما شيء من الكفاية الحربية في القيادة و أساليب القتال ؟ ويتبعه بسؤال آخر هو: هل يقبل العقل أن يكون من المسلمين رواد في كل نواحي العلوم الطبيعية والاجتماعية ولا يكون منهم رواد في فن الحرب ؟ ويأتي الرد من أي مجيب سواء من أهل العلم المختص، أو من العامة بالنفي.

ويسعي كاتب هذه المقالة إلى إلقاء الضوء على بعض من نتاج المدرسة العسكرية الإسلامية في مجال الجغرافية العسكرية.

الجغرافية العسكرية كعلم تطبيقي في تعريفها الدارج:"حقل متخصص من الجغرافيا بالتعامل مع الظاهرات الطبيعية، والظاهرات التي صنعها الإنسان، والتي قد تؤثر في مسار العمليات العسكرية، أو التخطيط لها" (2) . وعلى ذلك سيعمل القادة على دراسة أحوال وخصائص البلاد والمناطق بوساطة العيون وما شابهها ، من جمع للمعلومات قبل إرسال الجيوش - عن مواطن القوة والضعف فيها ، وسعيًا لحصول النصر ، وتجنبًا لوقوع الهزيمة. وكان ذلك بعضًا مما أوصى به خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم قادتهم ، فقد كتب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ومن معه من الأجناد".. وإذا وطئت أرض العدو .. وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها بها ، فتصنع بعدوك كصنعه بك .." (3) .إن دراسة أرض العدو ، كما رأى عمر رضي الله عنه أمر واجب ، إذ إن في التعرف على مسالكها ودروبها ، وموارد مائها ، ونباتها ، ومعالم سطحها ، إدراكًا لمواطن القوة والضعف فيها ، وهذا أمر سيحسن الأعداء استخدامه ، فهم أدرى من غيرهم بطبيعة بلادهم ، وإن عرف سعد وجنده أرض العدو فإنهم سيدركون ما يدركه عدوهم عنها، ويكون بإمكانهم إعداد الخطط الملائمة عن أرض أصبحوا يعرفونها كما عرفها أصحابها.وبذلك لن تكون الأرض إلا لصالح من يحسن استخدامها ، وتسخير مواردها ، ويستفيد من إمكانياتها (4) . العوامل الجغرافية التي ساعدت على الفتوحات: قد يسأل سائل ما هي العوامل الجغرافية التي ساعدت المسلمين في فتوحاتهم ؟بالنسبة لفتح العراق يجيب محمد أحمد حسونة (5) ، ويورد من العوامل أن المسلمين لم يخرجوا في فتحه عن بيئتهم الطبيعية المعروفة ، حيث وجدوا أنفسهم في بلاد صحراوية الأرض والأحوال الجوية ، ولا تختلف عن موطنهم بل هي بلاد متممة لها ، كما تعتبر الصحراء ملاذهم ، يعتصمون بها، ويستندون إليها ، ويتخذونها حاجزًا بينهم وبين أعدائهم ، ولا تنسى روابط العرق ، واللغة، والعادات ، والتقاليد بينهم وبين سكان العراق. وصفوة القول: إن العراق بأرضه وسكانه ليس غريبًا على المسلمين الفاتحين . أما ما يتعلق ببلاد الشام فالأمر يشبه العراق، فقد وجد المسلمون أنفسهم أول الأمر في مثل الظروف الجغرافية التي ألفوها حيث التضاريس ، وبخاصة في القسم الشرقي من بلاد الشام إذ إنه بادية تشكل امتدادًا لصحرائهم ، والقسم الأوسط جبلي يعتبر امتدادًا للحجاز ، ولرحلة الصيف التي جاءت بأهل مكة إلى دروب وأسواق الشام دورها ، فعرفها التجار والأدلاء على حد سواء ، إضافة إلى أن العرب المسلمين وجدوا بالشام أناسًا سبقوهم، وتغلغلوا في المنطقة قبل الإسلام بأكثر من ألف عام، واستقر بعضهم على تخومها الشمالية. ويضاف إلى ما سبق حرية المسلمين في ضرب الروم أو الفرس ، وفي نقل جنودهم بين العراق والشام.معركة حطين نموذجًا: إن في معركة حطين دروسًا وعبرًا، وفيها العديد من الأمثلة على استخدام المسلمين للعوامل الجغرافية في العمليات العسكرية والتخطيط لها، إضافة إلى دور العقيدة والإيمان في تحقيق النصر المؤزر على العدو الباغي. تشير الكتب والمراجع التاريخية (6) إلى عقد هدنة بين المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، والصليبيين مدتها أربع سنوات بدأت بعام 581 هجرية -1185م، لكنها نقضت بعد ذلك بعامين باعتداء الأمير الصليبي أرناط على قافلة للمسلمين أثناء سيرها من القاهرة إلى دمشق، مما عجل بمعركة عسكرية منتظرة بين المسلمين والصليبيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت