فهرس الكتاب

الصفحة 1279 من 27345

أسنى المَتاجِر في بيان أحكام مَن غَلبَ على وطنه النصارى و لم يهاجر

و ما يترتب عليه من العقوبات و الزواجر

تأليف

أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي

المتوفى سنة 914هـ

دراسة و تحقيق

الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب

( الملقب بالشريف )

1426هـ / 1995 م

مقدمة التحقيق

الحمد لله على نعمائه ، و الصلاة و السلام على نبيِّه محمدٍ و آله ، و بعد

فما أن أذكر الإقامة بين أظهر المشركين ، أو تُذكر أمامي ؛ حتى أشعُرَ بالأسى ، و كأنني المعنيّ بما ورَد فيها من الوعيد الشديد ، حيث استهنت بهذه الإقامة ابتداءً ، و لم أحُر سبيلًا للفكاك عنها انتهاءً .

و بحكم الواقع الذي أعيشه و تعيشه الألوف المؤلَّفة من المسلمين المهاجرين أو المهجَّرين إلى الغرب رَغَبًا أو رَهَبًا أجدني ـ في عداد الباحثين على الأقل ـ معنيًا بالتأصيل الشرعي ، و الدراسة العلمية لمسألة الإقامة في ديار الكفر و الحرب ، مع أن تقسيم العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهما لم يُبقِ حاجةً تُذكَر إلى الإسهاب في تقسيم الدور و بيان أحكامها .

و كلَّما سُنَّت في الغرب قوانين جديدة و تشريعات انفعالية مُبرِّرَةُ للتضييق على المسلمين دون استثناءٍ لملبس نسائهم ، أو حرِّية رجالهم في شئون الحياة الدينية و الدنيوية بَدَت الحالُ قريبةً من حال مسلمي الأندلس بعد سقوط دولتهم ، و انقضاض الفرنجة على من تبقى منهم بالإبادة و التشريد ، و القهر و الإذلال ، و استباحة الأموال و الدماء و الأعراض .

تلك الحال المريرة التي دعت علماء ذلك الزمان إلى تحريض المؤمنين على الهجرة من الأندلس إلى ما جاورها من ديار الإسلام ، فهاجر مَن هاجَرَ بنفسه و أهله و ماله ، و قعَد من قَعَد لعُذرٍ أقعَده ، أو حاجة ألجأته ، أو و دنيا يصيبها .

و الرسالة التي بين يديَّ ، و التي اليوم أصدِّرُها بهذه المقدمة ، و أنشرها محقّقةً و هي بعنوان:

"أسنى المَتاجِر في بيان أحكام مَن غَلبَ على وطنه النصارى و لم يهاجر ، و ما يترتب عليه من العقوبات و الزواجر"، لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي ، المتوفى سنة أربعة عشر و تسعمائة للهجرة ، و هي رسالةٌ جليلة تبحث قضية تعني المسلمين المغتربين عن ديار الإسلام في العصر الحاضر .

التعريف برسالة ( أسنى المتاجر ) :

تتناول الرسالة مسألتين أساسيتين ، تتفرع عنهما مسائل ثانوية متعددة ، فهي تبحث في حكم بقاء المسلم في بلده الذي غلب عليه الكفار بخاصةٍ ، و حكم الإقامة في بلاد الكفار بعامة .

و في عنوانها ما يدل على دقة نظر المؤلف رحمه الله ، حيث أشار إلى ( من غلب على وطنه النصارى ) ، و ليس من تولى أمر بلده النصارى ، حيث إن بين الحالين بونًا شاسع ، فربما تسلط الكفار على بلدٍ بالسلاح أو الحكم ، فغلبوا أهله عليه ، و لكنهم لم يستأصلوا شأفة المسلمين ، و لم ينازعوهم الدار ، بل نازعوهم السلطة و الحُكم و القرار .

و هذا الأمر ـ رغم شناعته ، و مع ما يجب على المسلمين من الجهاد لرفعه ـ أهون شرًا من أن يتسلط الكفار على بلد فيبيدوا أهله ، أو يهجِّروهم ، أو يقهروهم بجعلهم أقلية مقيمةً بين أكثرية وافدة ، و هذه الصورة هي التي عرفها أهل الأندلس ، فقد نزل الفرنجة بديارهم ، فأعملوا فيهم القتل و التنكيل و التشريد ، و غيروا معالم الضياع و المدن بمن جُلِبَ إليها من النصارى ، حتى يذيبوا من تبقى من أهل الإسلام ، و لذلك أفتى علماء المسلمين بخروج من تبقى من أهل القبلة من الأندلس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت