فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و لكي تتضح الصورة أكثر أضرب مثلًا بواقع المسلمين في فلسطين اليوم ، حيث إن حكم الهجرة لأهل ( غزة ) ليس كحكمها لأهل ( تل أبيب ) مثلًا ، فعلى الأولى يتسلط الاحتلال ، و لكنَّ للمسلمين فيها كيانًا يقدرون على إقامة شعائر دينهم فيه ، بل يكرون منه و يفرون إليه في جهادهم ، فهم أهل ثغر و رباط ، يتعيَّن عليهم البقاء ما أثخنوا في العدو ، و ردُّوا صولته ببقائهم . أما في ( تل أبيب ) و مثيلاتها من مغتصبات اليهود ، و بلدانهم التي أنشأوها أو أجلوا أهلها عنها ، فالأمر أشبه بما كانت عليه الأحوال في الأندلس ، و لا يجوز لمسلم أن يقيم فيها بين ظهرانَيهم ، بل يجب عليه أن يخرج طلبًا للنجاة بنفسه و أهله و ماله أولًا ، ثم لإعداد العدة و التأهل للكرِّ على من غَلب عليها من الكفار ، و الجهاد في سبيل الله لتحريرها ثانيًا (1) .
و لأهل الأندلس بخاصة ، و من شابههم في الحال التي صاروا إليها بعامّة يفتي الونشريسي و كثير غيره بتعيُّن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، و لذلك جاءت رسالته قيِّمةً في بابها ، عظيمةً في شأنها .
هذا بالنسبة لأهمية الرسالة للمسلمين ، أما بالنسبة لمن سواهم فقد نظر بعض مؤرخي الفرنجة إليها كوثيقة تؤرخ لفترة من فترات استضعاف المسلمين ، و بذلك نفسر اهتمام بعضهم بالسؤال الذي في صدرها أكثر من الجواب ، لأن السؤال يرصد الواقع ، أما الجواب فيقرر حكم الشرع في الواقع المرصود ، و هو ما لا يحتاجه المستشرقون .
لا عجب ـ إذن ـ أن يترجم المستشرق ماركوس مولَر السؤال ، و يَنشُرَه مفردًا بعنوان: ( أحوال مهاجري غرناطة في إفريقيَّة ) .
و من قرأ السؤال و الجواب رأى هذه الرسالة قيِّمةً في جانِبَيْها التأريخي و الفقهي ، إن قرأها متجردًا ، يطلب الحق ، و يُحسن الظن بالخلق .
طبعات الرسالة:
سَبقَ لهذه الرسالة أن طُبِعَت من قَبلُ ضِمنَ جامِع مؤلِّفِها النفيس ، الذي سمَّاه: ( المعيار المُعرِب ، و الجامع المُغرِب ، عن فتاوي أهل إفريقيَّة و الأندلس و المغرِب ) و نَشَرَتهُ بعناية ثمانية من الفضلاء كَتَبةً و مُصحِّحينَ ، المطبعةُ الحَحَرِيّةُ بِفاس ، لصاحبها العربيّ بن محمد الأزرق رحمه الله ، سنة خمسةَ عشر و ثلاثمائة و ألف للهجرة ، في اثني عَشَرَ مجلَّدًا .
و عن الطبعة الحجرية هذه أعيد إصدار كتاب المعيار في مطلَع القرن الهجري الخامس عَشَر ، و نشرَتْهُ وزارة الأوقاف و الشئون الإسلامية للمملكة المغربية ، مُوَشَّحًا بعبارة: أخرجه جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي (2) .
و لا ريبَ في أنَّ الاقتصار على تغيير نمط الطباعة لإعادة إصدار الكتاب في ثوبٍ جديد أحسن حالًا و أقربَ نوالًا من سابِقِه كان له أثرٌ على فحواه و محتواه ، حيث تسبب في كثرة التصحيف و الخطأ و السقط ، على نحو لا يمكن إغفاله ، مما يُبقي الحاجة قائمةً إلى تحقيق هذا السِفر النفيس ، و تقديمه إلى المكتبة الإسلامية بما يليق به و بكاتبه ، و يقرِّب إلى القاريء نوال فوائده .
(1) في ضوء هذا التفريق و التفصيل يمكننا فهم فتوى الشيخ الألباني رحمه الله لأهل فلسطين بالخروج منها ، حيث سئل عن أهل الضفة هل يجوز أن يخرجوا و يهاجروا إلى بلد ثانية ؟ فأجاب: يجب أن يخرجوا من الأرض التي لم يتمكنوا من طرد الكافر منها إلى أرض يتمكنون فيها من القيام بشعائرهم الإسلامية . اهـ . فإذا كان مراده الهجرة من بلدات الضفة التي غلب عليها اليهود و حولوها إلى مدن أو مغتصبات يهودية صرفة ، فالهجرة للمسلمين منها مشروعة إلى حيث تمكنهم إقامة شعائر دينهم و إعداد العدة لتحرير ديارهم ، أما إن كان مراده الهجرة من بلدات الضفة التي يقطنها المسلمون ، و لا يخالطون فيها اليهود و لا غيرهم من المشركين ، فلعمري ليس في بلاد المسلمين الأخرى ، المجاورة لفلسطين و البعيدة عنها مُهاجَرٌ فيه مزيد على ما في فلسطين من القدرة على إقامة شعائر الإسلام ، بل قدرة من بقي فيها على إعداد نفسه للجهاد أكبر ، حيث إن من خرج منها لن يقدر أن يعود إليها بقوة أو كرٍّ من بلاد باتت تحمي كيان اليهود ، و تحرس حدوده بدلًا من أن تحمي المسلمين و أرضهم ، و الله المستعان .
(2) و المقصود بتخريجه على أيدي هؤلاء الفقهاء هو ( مجرَّد تحويله من خطوط الطباعة الحجريَّة العتيقة التي عزَّ قُرَّاؤها اليوم في المغرب ، فأحرى في المشرق ، و إخراجه في طبعة حديثة أنيقةٍ تجعله في متناول الجميع بعد أن افتُقِدَ في أسواق الكتب ) و لم يقصدوا ( إلى تحقيقٍ علميٍّ لكتاب المعيار ) كما قال محمد حجي في مقدمته للطبعة التي أشرف على إخراجها .