فهرس الكتاب

الصفحة 7316 من 27345

[الكاتب: حامد العلي]

من حقائق الاسلام الكلية المتعلقة بالعقيدة الاسلامية تعلقا أساسيا أنه دين ودولة لا انفكاك بينهما، حتى لقد قرأت لبعض الكتاب المستشرقين الذين أسلموا ولا يحضرني الان اسمه أنه وبعد أن قرأ ما في القرآن والسنة عن هذه الحقيقة قال: (لا أقول؛ الاسلام دين ودولة، بل هو الدين وهو الدولة) .

ومرجع هذا في الشريعة الى أن الله تعالى ربط نجاة الانسان في هذا الدين بالقيام بواجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في سورة العصر (والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ، فلا نجاة من الخسران في الاخرة بالاكتفاء بالايمان والعمل الصالح، بل لابد من الامربالمعروف والنهي عن المنكر (تواصوا بالحق) ولا بد من الصبر على ذلك (وتواصوا بالصبر) .

ولم يؤمرالمسلمون أمرا شرعيا دينيا أن يقيموا لهم الدولة الا لهذا الغرض، وصار هذا من اعظم واجبات الدين، كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا الا بها) [28/390] .

والغرض من اقامة الدولة أصلا اقامة الدين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال شيخ الاسلام: (وجميع الولايات الاسلامية انما مقصودها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى، مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة، وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية، وولاية الحسبة) [28/66] .

والمقصود أن الدولة في الاسلام، وكل ولاياتها عملها - في الاصل - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قامت وهذا - فقط - هو وجه مشروعية الدولة في الاسلام، وولي الامر يستمد مشروعيته من هذه الجهة فحسب، و (الامر) الذي اضيف (الولي) اليه في الشريعة هو هذا الامر فحسب، أمر اقامة الدين بواسطة جهاز الدولة وتسخيرها للامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لكن ينبغي أن يعلم أن المعروف يدخل فيه كل ما يحبه الله ويرضاه من الاعمال والاقوال ويتحقق به مصالح العباد واصلاح أحوالهم، فيدخل فيه هذه الايام حتى تنظيم المرور في الطرق ونحو ذلك، والمنكر يدخل فيه كل ما لايحبه الله ولايرضاه من الاقوال والاعمال وكل ما يكون أقرب الى فساد العباد واضطراب أحوالهم حتى الغش في الاسواق وتولية من لايستحق في ادارات الدولة وان كانت الولاية صغيرة ونحو ذلك، والمقصود أن هذه الكلمة (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) في الشرع عامة يدخل فيها ما شرع في الدين كله.

وهذه الحقيقة الثابتة التي دل عليها القرآن (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد) ، ودلت عليها السنة المطهرة، هي السبيل الحق والصراط المستقيم في فهم علاقة الدين بالدولة في الاسلام.

ويقابلها سبيلان فاسدتان.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهاتان السبيلان الفاسدتان - سبيل من انتسب الى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك اقامة الدين - هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الاولى للضالين النصارى، والثانية للمغضوب عليهم اليهود) [28/395] .

وقد وقع في هذه الامة - كما ورد في الحديث لتتبعن سنن من كان قبلكم - نظير ما في هاتين الامتين (اليهود والنصارى) فمن حكامنا من يريد السلطان والمال والحرب لاقامة الدنيا غير ملتفت الى الدين، ولا ينصرالدين الا ما أشرب من هواه، وخيرهم من لا يكون له غرض ذاتي في محاربة الدين مالم يخاف ذهاب شهواته وحاشيته فحينئذ فالدين عندهم أهون مقتول، فهؤلاء كاليهود كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون.

ومن المنتسبين الى العلم من يريد الدين بلا سلطان ولا جهاد ولا مال يقيمه، كالنصارى الذين يقولون: (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر) ، ويجعلون كل من يتولى أمر المسلمين ولي أمرشرعي لاتجوز منازعته في شيء، سواء من رفع الدين ومن وضعه، حتى عد بعض المجازفين منهم رئيس الجمهورية التركية (سليمان ديمريل) ولي أمر شرعي، واستنكر سعي حزب الرفاه للحصول على المال والسلطان والقوة للسيطرة على الدولة التركية، لانه - كما زعم - خروج على ولي الامر.

ولهذا تجد هؤلاء تشمئز قلوبهم اذا ذكر الجهاد والحكم بما أنزل الله، أو الدعوة الى تغيير الواقع، وتضيق صدروهم بمن يعتني بفضح مكائد أعداء الامة وعملائها للسيطرة على مقدرات القوة عند المسلمين، وربما استعانوا بقوة السلطان لاسكاته، فيصيرون عونا للسلطان على عزل الدين عن الدولة، لموافقة ذلك لما في نفوسهم من مشابهة النصارى من هذه الجهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت