طريق القرآن
لم يكتب الحديث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما كتب القرآن الكريم ولم يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه كتبة يكتبون الحديث - ويرى بعضهم أن ذلك يرجع إلى ندرة الوسائل الكتابية وإلى ضعف البواعث النفسية عند أكثرهم على كتابة السنة - ولسنا مع هذا الرأي لأن ندرة الوسائل لا تقف أمام عمل كبير مهم ككتابة الحديث وأما البواعث النفسية فما لا ريب فيه أنها قوية لاسيما وأن الصحابة يعلمون مكانة السنة من الدين.
وقد ثبت أن امتناع الصحابة رضي الله عنهم عن الكتابة إنما جاء عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"لا تكتبوا عني،ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج".
ثم جاء الإذن من الني صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بالكتابة فقد جاء عن قوله:"كنت اكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ؟! ورسول الله صلى الله عليه وسلم وبشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال:"أكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق"."
ويمكن التوفيق بين النصين سيرًا على طريقة أهل العلم في اعتبار الإذن بالكتابة هو آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم ويقال:-
1.لقد شاء الله تعالى أن يحفظ كتابه الكريم من التحريف والاختلاف فصانه من كل شيء يكتب إلى جانبه حتى ولو كانت السنة التي هي وحي أيضًا. وهذا من الشواهد على صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنه صلى الله عليه وسلم ميز كتاب الله تعالى عن سنته كي يبقى الكتاب معجزة الإسلام الكبرى، ولولا ذلك لكثرت الشروح والتعليقات على آيات القرآن الكريم ثم اختلط الأمر على الكاتبين فلا يستطيعون حينئذً تمييز النص المتعبد بتلاوته عن سائر النصوص، وهذا ما حدث لرسالات الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم فقد اختلطت الحقيقة بالخيال والخطأ بالصواب والوحي بالرؤى والأحلام حتى ذهب الأصل واختفى تحت وطأة الزيادات والإضافات فلم يعد للوحي تميزه وهيمنته وأصبح الوحي عند اليهود والنصارى بمثابة حركة الله في التاريخ بمعنى أن كل شيء يحدث في التاريخ يضاف إلى الوحي باعتباره إرادة الله وحركته في الأحداث، وما القراءات الشاذة عندنا إلا إضافات تفسيرية كتبت إلى جانب الآيات ثم ظن الكاتب أنها من القرآن الكريم ولكن الكثرة من الصحابة الذين أفردوا النص ولم يكتبوا شيًا إلى جانبه بالإضافة إلى الذين حفظوه كل هؤلاء تواترت الرواية القرآنية عنهم وحكموا على الزيادة بالشذوذ وعدم القبول. ونستطيع القول بأن تواتر القرآن كان بتوفيق الله وحفظه ثم بالمنهج الذي صابة ولولا هذا النهي عن كتابة الحديث لتعددت الروايات والألفاظ ولما حصل هذا التواتر.وصدق الله العظيم إذ يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) وقد عقب الإمام الخطابي على حديث النهي بقوله:-"وقد قيل إنه إنما نهي أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لئلا يختلط به، ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتابة محظورة وتقييد العلم بالخط منهما عنه، فلا. وقد جار هذا القول بعد أن قال:-"يشبهن يكون النهى متقدمًا آخر الأمرين الإباحة"."
2.كان الإذن منه صلى الله عليه وسلم بالكتابة بعد السنة السابعة لأن عبدالله بن عمرو هاجر مع أبيه بعد الحديبية ويظهر من النص أن عبد الله أفرد كتابة الحديث في كتاب ولم يجعله مع القرآن.
3.لما كانت السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نامية باعتبار توالى صدورها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يضاف إليه أن هذه السنة قد تتناول أحكامًا مرحلية يعتريها النسخ، فقد كان النهي عن كتابتها له فوائده المنهجية حتى لا يأخذ المكتوب طابع النهائية ولو أطلق العنان للصحابة من أدل الأمر في الكتابة لوصلتنا نسخ عديدة فيها الاختلاف وكل يجزم بصحة نسخته لذ لك كانت السياسة العامة هي النهي عن كتابة السنة فيما عدا الإذن الخاص أو في مسائل محددة ذات أنصبة وفروض وأرقام يصعب ضبطها من عير كتاب. وهذا المحظور يزول بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم لأن السنة قد توقف صدور المزيد منها إلى جانب ثبات أحكامها ووصولها إلى المرحلة النهائية. وكتابة الكتب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا تأخذ طابع القبول الذي تأخذه لو كتبت في عهده صلى الله عليه وسلم بل يبقى الأمر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم موضع اجتهاد وحوار وقد يحظر بعض الصحابة بعضهم لبعض ويدعى أحدهم نسخ حديث يعتبره غيره محكمًا غير منسوخ.