فهرس الكتاب

الصفحة 11292 من 27345

4.لو قُدرٌ للسنة أن تجمع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهرت هذه النزعة النقدية المنهجية التي مدت آثارها إلى مختلف جوانب المعرفة الإسلامية والتي كانت ميدان تنافس بين العلماء وسبقتهم كذلك إلى يوم القيامة بإذن الله.

5.إن كتابة السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أمر يشغل المسلمين بنصية السنة أكثر مما يشغلهم بالصحبة والممارسة والإقتداء والمباشرة الفعلية للإسلام وهو ما يميز جيل الصحابة عن كل جيل بعدهم إذ أنهم تعاملوا مع شخص النبي صلى الله عليه وسلم. ونخلص من هذا إلى أن النهي عن كتابة السنة كان منهيًا نصيًا ومنهجيًا والإذن بكتابتها كان محدودًا في الأشخاص المعينين وفي الموضوعات التي تحتاج إلى تذكر وللوافدين الذين يرجعون إلى أقوامهم ويريدون شيئًا مكتوبًا إما لإتقانه وتذكره وإما زيادة في التوثيق والتصديق. فقد أخرج البخاري في صحيحه من رواية أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فحطب فقال:"إن الله حبس عن أهل مكة القتل أو الغيل، - شك أبو عبد الله - ، وسلط عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ألا إنها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلي شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد، فمن قتل فهو بخير النظرين، إما أن يعقل أو يقاد أهل القتيل"

فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله فقال:"أكتبوا لأبي فلان".

فقال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إلا الإذخر".

قال أبو عبدالله: يقال يقاد بالقاف، فقيل لأبي عبدالله: أي شيء كتب له؟ قال: كتب له هذه الخطبة.

فلا يفهم من هذا الحديث الإذن العام وإنما الإذن الخاص لمن إحتاج إلى الكتابة وأما حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ففيه أمران: الإذن بالكتابة والرد على قولهم: ورسول الله بشر يتكلم في الرضا والغضب،فرد النبي صلى الله عليه وسلم على قولهم هذا بقوله:"أكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق"وهذا الموضوع من الحديث أبلغ في الاعتبار وأهم من الإذن بالكتابة. فيكون إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على قول من ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسائر البشر قد يخرجه الغضب عن الحق والصواب فيكون سياق الحديث في معرض الإنكار على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم في الرضا والغضب وقد يحمله هذا على الغضب فيخطئ.

كتابة الحديث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

بقى أمر كتابة الحديث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم موضع خلاف بين الصحابة بين النهي عن الكتابة نظرًا لبقاء علة النهي وهي الخوف من انشغال المسلمين بالحديث وكتابته عن القرآن وحفظه وكان هذا الاتجاه قويًا في صدر خلافة الراشدين ومن أصحاب هذا الرأي عمر وأبو سعيد الجذري وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم. وذهب جمهور الصحابة إلى إباحة الكتابة وزوال المانع منها وكتب الكثيرون منهم أو كُتب لهم فقد كتب عبدالله بن عمرو بن العاص في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة قوله:"ما أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أكثر حديثًا مني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبدالله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب".

وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يكتب أو يأمر بالكتابة فقد أخرج مسلم بسنده إلى محمود بن الربيع حديثًا جاء فيه: لما حدث عتبان بن مالك، قال أنس: فأعجبني الحديث فقلت لأبني: أكتبه فكتبه، وكتب جابر بن عبدالله رضي الله عنهما كتابًا صغيرًا فيه مناسك الحج، وكتب سمرة بن جتدب وصية لأبنائه ضمنها أحاديث سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها وصية لأبنائه.

وذكر البخاري طرفًا منها. وكتب أبو سبرة رضي الله عنه ما أملاه عليه عبدالله بن عمرو.وهكذا فإن كتابة الحديث قد شاعت بين الصحابة حتى كان الكاتبون منهم أكثر من الناهين عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت