د. سعود بن عبد الله الفنيسان 29/1/1424
القنوت في النوازل في الصلاة المفروضة والنافلة سنة ثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، مجمع عليها في كل المذاهب الفقهية، وإنما وقع الاختلاف بين العلماء في القنوت لغير النازلة كالقنوت في الوتر، جاء في ذلك نصوص كثيرة منها: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في صحيحي البخاري (804) ومسلم (675) "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يرفع رأسه -يعني من الركوع- يقول: سمع الله لمن حمده؛ يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول:"اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المسلمين، اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف"."
ومنها حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في سنن أبي داود (1443) قال:"قنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح في دبر كل صلاة؛ إذا قال: سمع الله لمن حمده -من الركعة الآخرة- يدعو على أحياء من بني سليم: على رعل وذكوان وعصيه، ويؤمِّن من خلفه".
وقفات تأملية في فقه الحديثين أمام النازلة:
1)مشروعية القنوت في أثناء الصلاة المفروضة، وإذا جاز في الفريضة ففي النافلة من باب أولى.
2)السُّنة الثابتة أن يُبدأ الدعاء بالنجاة للمسلمين المستضعفين المعتدى عليهم، قبل الدعاء بالهلاك على المعتدين الظالمين.
3)يجوز الدعاء لأشخاص بأعيانهم من المستضعفين المسلمين -إن دعت الحاجة لذلك-، أما الدعوة بالهلاك على الكافرين المعتدين فلا تُذكر أسماؤهم بالتعيين؛ حيث ترك ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن نزل عليه قوله تعالى:"ليس لك من الأمر شيء..." [آل عمران:128] . فلم يذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد نزول هذه الآية أحدًا من أعيان المشركين باسمه، بل يدعو عليهم مجتمعين دون تخصيص كدعائه على مضر ورعل وذكوان وعصيه.
ولعل الحكمة من هذا -والله أعلم- تطهير لسان المسلم أثناء الصلاة وهو يناجي ربه من أسماء أعداء الله المحاربين له ولأوليائه، أو لعل الله كتب لبعضهم أن يُسلموا.
4)وفي الحديثين إثبات القنوت في غير الوتر، وأن القنوت في النوازل لا يختص ببعض الصلوات، وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- رد على من خصص قنوت النازلة بصلاة الصبح فقط.
5)الحكمة من القنوت في صلاة النازلة -سرية كانت أو جهرية- هو تأمين المأمومين خلف الإمام لعل الله يستجيب دعاءهم ويرفع عنهم ما نزل بهم من بأس، وأيضًا في القنوت للنازلة رفع لمعنوية المؤمنين، وتقوية رابطة أخوتهم في الدين، ولما فيه من إلقاء الرعب في قلوب المعتدين الظالمين، ولطلب الأجر والثواب؛ كما جاء في الحديث"من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه"البخاري (780) ومسلم (410) .
6)لا يشترط في القنوت في الصلاة أن تحل النازلة ببلاد المسلمين، بل يشرع القنوت في النازلة ولو وقعت خارج بلاد المسلمين إن لحقهم منها ضرر أو أذى، ومن السنة أن يُدعى في كل نازلة بما يناسبها من الدعاء، وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- السابق نص في هذا حيث قنت الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أولئك المذكورين من أهل مكة، ومكة آنذاك لا تزال دار كفر.
هل لأحد أن يمنع القنوت في النوازل؟
الدعاء مخ العبادة، وهو أقوى سلاح يوجهه المسلم إلى العدو مباشرة دون خسائر مادية أو بشرية، وأفضل ما يكون في صلب الصلاة، وما شرع القنوت في النوازل إلا من أجل الدعاء، حيث العباد يناجون ربهم، فالقنوت جزء من الصلاة كتلاوة القرآن، والتسبيح في الركوع والسجود، فلا فرق بين هذا وذاك، فكلا الحالين سنة ثابتة واجبة الاتباع، فلا يجوز لأحد كائنًا من كان أن يمنع الناس من الصلاة جماعة، يناجون فيها ربهم عندما تنزل بهم نازلة، أو تحل قريبًا من دارهم، كما لا يجوز لأحد أن يزيد أو ينقص في أركان وواجبات الصلاة، قال تعالى:"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" [الحشر:7] ، وقال:"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب:36] ، فلا يجوز أن يُمنع المظلوم من الدعاء على ظالمه؛ لحديث:"اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب"البخاري (1496) ومسلم (19) ، كما لا يجوز لأحد أن يَمنع المسلم من الدعاء لإخوانه المسلمين المستضعفين والمضطهدين في كل مكان من الأرض، لما جاء في الحديث"إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: ولك بمثل"مسلم (2732) .
هل القنوت في النوازل من المصالح المرسلة؟
المصلحة المرسلة قاعدة من قواعد الأصول التبعية في الشريعة، تأتي بعد الأصول الأربعة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) .