فهرس الكتاب

الصفحة 23249 من 27345

ومعنى كونها تبعية، أي: أنها ليست أصلًا بنفسها؛ بل تابعة لأحد هذه الأصول الأربعة، ومعنى كونها مرسلة أي مطلقة خالية من الدليل الخاص على موضع النزاع أو البحث إذ لو كان عليه دليل لألحق بالكتاب إن كان الدليل آية، أو بالسنة إن كان الدليل حديثًا أو أثرًا، والقنوت في النازلة -محل النزاع- ورد فيه دليل خاص بعينه، كالحديثين المشار إليهما أعلاه، فلا يدخل حينئذ قنوت النازلة تحت المصلحة المرسلة بحال، ومثال المصلحة المرسلة التي يجوز للحاكم التدخل فيها بالأمر أو المنع: كصيد الطيور وبيع السلاح في زمن معين، لا على الإطلاق، لأن صيد الطيور وبيع السلاح هو في الأصل مباح بأدلة الإباحة الشرعية العامة، وهذه الإباحة غير محددة بزمن أو حال أو هيئة، فمتى رأى ولي الأمر في المنع أو الجواز مصلحة راجحة للأمة جاز له الأمر أو المنع من ذلك، ووجب على الناس الالتزام والاتباع.

وتحديد النازلة ليس موكولًا لأحد بعينه، ولا أعلم أحدًا من العلماء خصصها بولي الأمر، حيث النازلة كارثة وضرر عام يلحق بالأمة، يحسه الناس كلهم ولا تختلف على وقوعه أو وصفه أنظار الناس، ولو كان موكولًا لولي الأمر أو آحاد الناس لارتبط بهؤلاء تشريع الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها، وهذا معلوم بطلانه لكل ذي عينين.

ويجب أن يعلم أنه ليس من السنة في دعاء القنوت أن يخرج عن سبب النازلة، فيدعى على عموم الكفار بالموت والهلاك، والنازلة التي نزلت بالمسلمين هي الظلم والاعتداء عليهم بتدمير بلادهم، وأخذ أموالهم وانتهاك حرماتهم، فالعلة في الدعاء على الكفار في النوازل هي تجدد الاعتداء والظلم على المسلمين، أما تكذيب الكفار لما جاء به الأنبياء وعداوتهم للمسلمين فهي ملازمة للكفر دومًا وأبدًا، منذ كفر إبليس بربه، وإهباطه من السماء إلى الأرض إلى قيام الساعة، فوصف اليهود والنصارى بالكفر وصف كاشف لا ينتج الحكم وهو الدعاء عليهم بالهلاك، أما الظلم والاعتداء فهو الوصف المؤسس المنتج للحكم المذكور (القنوت) ، وسنة الله أن الكفار أكثر عددًا من المسلمين قال تعالى:"وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" [يوسف:103] ، وحديث:"يا آدم أخرج بعث النار، فيخرج من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين"البخاري (3348) ومسلم (222) ، وما ورد من آثار في الدعاء على الكفار من أهل الكتاب فيراد بهم المحاربون منهم للمسلمين، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا أبطأ عليه خبر جيوش المسلمين قنت، فكان مما قاله ذات مرة:"اللهم العن كفرة أهل الكتاب، الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك"فوصفهم بالكفر والتكذيب ليس جديدًا، وكونهم يقاتلون أولياء الله في عهده -رضي الله عنه- هي العلة المسببة للدعاء عليهم باللعنة والهلاك، ومن لم يقاتلنا لا ندعو عليه؛ بل ندعو له بالهداية، وهذا معنى قول الله"لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة:8] ، فإن القرآن يفسر بعضه بعضًا، ومعنى ذلك أن من سالمنا سالمناه، ومن اعتدى علينا قاتلناه، أما منع ولي الأمر الناس من القنوت أصلًا فلا يجوز له، ولا تلزم طاعته فيه، لأن القنوت في النازلة سنة نبوية ثابتة بدليلها الخاص، وهي عبادة محضة فلا تدخل تحت نظر ولي الأمر، فهي كتحية المسجد تتعين إذا حصل موجبها وهو دخول المسجد، وسيأتي لهذا مزيد بيان قريبًا.

قاعدة (حكم الحاكم يرفع الخلاف) :

المعنى الشائع لهذه القاعدة أن ولي الأمر (الحاكم) -سواء أريد به القاضي أو السلطان- إذا اختار أو تبنى رأيًا من الآراء الاجتهادية في الشريعة ولو كان مرجوحًا يرتفع به النزاع بين الناس ويلزمهم العمل بالقول الذي اختاره وارتضاه، غير أنه ينبغي أن يعلم أن اختيار ولي الأمر لأحد الأمرين ليس على إطلاقه، فاختياره يرفع الخلاف فيما تجري فيه الدعاوى والخصومات فقط مما يجري بين الناس عادة، كالحقوق المالية والجنايات والحدود ونحوها.

ومثال ذلك قبول شهادة الفاسق فيها قولان، والرهن هل يلزم بالقبض أو بمجرد العقد؟ قولان فلو اختار ولي الأمر أحد القولين في هاتين المسألتين مثلًا ارتفع بقوله الخلاف ولزم الناس الأخذ بقوله فيما تنازعوا فيه، وهذا بخلاف ماله علاقة بالاعتقاد أو العبادات المحضة؛ كالطهارة والصلاة والصيام مثل: الشرب من مياه المجاري المنقاة والمعالجة، ومثل دعاء الاستفتاح في الصلاة، وعدد ركعات الوتر أو القنوت في النازلة، فلو اختار ولي الأمر أحد هذه الصيغ أو الأقوال، أو اختار تفسير آية أو معنى حديث على غيره فلا يرتفع باختياره الخلاف بين المختلفين، ولا يلزم الناس اتباعه فيما ذهب إليه وتبناه، ولا يصح له أن يجبرهم أن يأخذوا بقوله، لأن مثل هذه عبادات محضة لا يرفع الخلاف فيها حكم الحاكم أو اختياره أو تبنيه أحد القولين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت