فهرس الكتاب

الصفحة 9388 من 27345

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه؛ وبعد:

فمن المعلوم عند جميع المسلمين أنَّ شهر رجب من الأشهر الحُرُمِ التي قال الله فيها: (إنَّ عدَّةَ الشُّهورِ عند الله اثنا عَشَرَ شهرًا في كتاب الله يوم خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ منها أربْعة حُرُمٌ ذلك الدِّين القَيِّم فلا تظْلِمُوا فيهنَّ أَنْفُسَكمْ) . [التوبة: 36] .

وثبت في"الصحيحين"أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خطب في حجَّة الوداع فقال في خطبته: (إنَّ الزَّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرُمٌ، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) .

لِمَ سُمِّيت هذه الأشهر الأربعة حُرُمًا؟

وقد اختلفوا لِمَ سمِّيت هذه الأشهر حُرُمًا، فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذَّنب فيها.

قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: اختصَّ الله أربعة أشهر جعلهنّ حُرُمًا وعظَّم حُرُماتهنّ، وجعل الذَّنب فيهنّ أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم.

وقيل: بتحريم القتال فيها.

لِمَ سُمِّي رَجَبٌ رَجَبًا؟

قال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله تعالى:

سمّي رجبٌ رجبًا؛ لأنه كان يرجب، أي يُعظَّم، يُقال: رَجَبَ فلانٌ مولاه، أي عظَّمه.

وقيل: لأنَّ الملائكة تترجَّب للتَّسبيح والتَّحميد فيه؛ والحديث الوارد فيه موضع. اهـ كلامه بمعناه. وذكر بعضهم أنَّ لشهر رجب أربعة عشر اسمًا، هي: ( شهر الله - رجب - رجب مضر - منصل الأسنَّة - الأصمّ - الأصبّ - منفس - مطهر - معلى - مقيم - هرم - مقشقش - مبرىء - فرد ) .

تعظيم أهل الجاهلية لشهر رجب

ولقد كان الجاهليون يُعظِّمون هذا الشهر، خصوصًا قبيلة مُضَر، ولذا جاء في الحديث كما سبق: (رجب مُضَر) ، قال ابن الأثير في"النهاية": (أضاف رجبًا إلى مضر؛ لأنهم كانوا يُعظِّمونه خلاف غيرهم، فكأنهم اختصُّوا به) .

فلقد كانوا يُحرِّمون فيه القتال، حتى أنهم كانوا يُسمُّون الحرب التي تقع في هذه الأشهر (حرب الفجار!!) . وكانوا يتحرَّون الدعاء في اليوم العاشر منه على الظالم، وكان يُستجاب لهم!

وقد ذُكر ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إنَّ الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض، وإنَّ الله جعل الساعة موعدهم، والساعةُ أدهى وأمرّ.

-وكانوا يذبحون ذبيحةً تُسمَّى (العَتِيرة) ، وهي شاة يذبحونها لأصنامهم، فكان يُصبُّ الدم على رأسها!

وأكثر العلماء على أنَّ الإسلام أبطلها، لحديث"الصحيحين": (لا فرْع ولا عَتيرة) .

ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: (اللَّهمَّ بارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان) . وإسناده ضعيف.

قال بعض السلف: شهر رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السَّقي للزرع، وشهر رمضان حصاد الزرع.

جميع ما أحدث النَّاس في رجب من البدع المنكرة

ومن العجيب أنَّ الناس قد أحدثوا في شهر رجب بدعًا كثيرةً لم ينزل الله بها من سلطان، وهذه البدع التي سأذكرها نبَّه عليها أئمة الإسلام وعلماؤه، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيِّم، والشاطبي، وابن رجب الحنبلي، والطرطوشي، وابن حجر.

ومن المعاصرين: الشيخ علي محفوظ، والشُّقيري، والشيخ ابن باز، والألباني - رحمهم الله- والعُثيمين، والفوزان - حفظهما الله -.

وجميع ما سأذكره في مقالتي - أيها القاريء النبيل - من باب قول الشاعر:

عََرفْتُ الشَّرَّ لا للشَّر

وَمَنْ لا يَعْرِفِ الشَّرَّ

لكنْ لِتَوَقِّيهِ

جَدِيرٌ أنْ يقعْ فيه

أولًا: ومن أوائل ما ابتدع النَّاس في رجب الصَّلاة، وهي عندهم على أنواع:

منها ما يُسمَّى بـ (الصَّلاة الألفية) ، وهي تُصلَّى في أول يوم من رجب، وفي نصف شعبان، وهي غير صلاة الرغائب كما سيأتي.

صلاة أُمِّ داود، وهي تُصلَّى في نصف رجب؛ ذكرها شيخ الإسلام في » اقتضاء الصراط المستقيم« (ص293) .

صلاة الرَّغائب، ويُسمِّيها البعض (الصَّلاة الإثنى عشرية) ، وهي تُصلَّى في أول ليلة جمعة بعد العشاء، وقيل: بين العشائين. وهي اثنتي عشرة ركعة، يُقرأ في كلِّ ركعة فاتحة الكتاب مرة و (إِنَّا أَنزلناه في ليلة القدر) ثلاثًا، و (قل هو الله أحد) ؛ اثنى عشر مرة، يفصل بين كلِّ ركعتين بتسليمة. وهي صلاة محدثة أُحدثت بعد المائة الرابعة.

قال ابن رجب في"لطائف المعارف" (ص140) :

( … فأما الصلاة فلم يصحّ في شهر رجب صلاة مخصوصة تختصّ به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرَّغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصحّ ) .

ثانيًا: ومما أحدث النَّاس في رجب الصِّيام، وهم فيه على أصناف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت