فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فوا أحمداه! ووازينباه!
بقلم إكرام الزيد
"...ثنّى الموتُ علينا فجائعه باختطافِ حجّة زمانه في مناظرة النصارى الداعية الكبير أحمد ديدات، وكذا الداعية الفاضلة زينب الغزالي ابنة أرض الكنانة، على الجميع من الله شآبيب الرحمة والمغفرة!"
قد كان يجدرَ بي نشر هذه المقالة مصاحبةً للحدثِ دون تأخرٍ وتلكؤ، لولا ذهول اعترى قلمي فألجمه، وقد نزلتْ بنا فاجعة موتِ الملكِ فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - في غاشية غشتْ البلاد والعباد ما لبثتْ أن تقشّعتْ حتّى ثنّى الموتُ علينا فجائعه باختطافِ حجّة زمانه في مناظرة النصارى الداعية الكبير أحمد ديدات، وكذا الداعية الفاضلة زينب الغزالي ابنة أرض الكنانة، على الجميع من الله شآبيب الرحمة والمغفرة!
ولقد رأيتُ في نفسي انصرافًا عن الكتابة لم أعهده بها قبلًا، وكنتُ أرجو أن أجدَ ما أسدّ به حزني، وأكرم به الراحلَيْن غير مقالة أكتبها - فقد أفردتُ للمليك الراحل مقالته -، لكني قلّبتُ النظر فرأيتُ الإعلام قد أحجم عن تبيان عظم شأوهما، وتقاصر عن ذكر فضلهما، ورأيتُ أنّ المقالة هي أقلّ قليلٍ ينعاهما، ويذكر مآثرهما، ويترحم عليهما، ثمّ انتابتني حيرة عن أيّ العَلَمينِ أكتبُ إنْ كنتُ فاعلة؟..فوجدتهما كعيني رأسٍ لا فضلٍ لواحدةٍ على أخرى، لكني آثرتُ أن أبتدئ بالشيخ أحمد ديدات - جعل الله قبره روضة خضرة - ، وللرجال عليهنّ درجة!
ولأنيّ لا أعلم عن الراحل كثيرًا من الأخبار - إلا ما اشتهر عنه - فإنّي سأكتفي بذكر بعض ما وقع في نفسي منه، لعلي أخرج بمن ينظر في ذلك الأثر فيدعو له، ويتّبع أثره مباركًا محمودًا!
أما الشيخ أحمد ديدات - برّد الله مضجعه - فقد عرفتُه منذ خمسة عشر عامًا تقريبًا (1411هـ) ، إذ كان والدي - أمدَّ الله عمره في طاعته- يأتي في ذلك الحين بأشرطة فيديو مسجلة لمناظراته الشهيرة (هل الكتاب المقدس كلام الله؟) التي حضرها 3000 شخص، وكانت مع القس الأمريكي جيمي سواجارت -وقد هُتكَ ستره منذ بضع سنوات- فأتابع معه متابعة الذي يعرف بعض الكتاب ويجهل بعض، وكان لتعليقات والدي الكريم التي يلقيها معجبًا ومكبّرًا وقوعٌ في نفسي عظيم، جعلني أحرص على مزيدِ متابعة، ثمّ لما بلغتُ سنّ الرشد وبدأتُ أعي العلم، عدتُ لتيكَ المناظرة فشاهدتها ثانية، فرأيتُ بحرًا من العلمِ زاخرًا، وحجّةً في دحض مذهبهم لا تنقطع، وبيانًا متدفقًا انتقى لفظه كما ينتقي بعضنا أطايب الثمر، عدا عن ابتسامةٍ هادئةٍ وأدبٍ جمّ وسعةِ بالٍ لا تليقُ إلا بحليمٍ، ومذ تلك الأيام وقعَ في نفسي الإجلال والمهابة لهذا الرجل الذي يشعّ وجهه بالبهاء، متزينًا بلحية بيضاء وقورة وابتسامة متواضعة تدخل القلب بلا استئذان، ومعتمرًا طاقية بسيطة ما أنقصتْ من قدره وجلاله!
وأتذكر منذ سنواتٍ خلتْ حين سرت شائعةٌ بوفاته، فهملتْ عيناي حزنًا حتى أتاني نبأ تكذيبها فاطمأنتْ نفسي، فالشيخ -وإن كان طريح الفراش منذ تسعة أعوام- لا ينقطع مدده، والرسائل تنهمر عليه من كلّ صوبٍ ممن يسلّم أو يتعلّم، وحسبهُ أنّه يصلُ العالمين بعينين ذابلتين طرح الله فيهما البركة، فلله عيناكَ يا أحمد ديدات، وستشهدان لكِ وأنا معهما من الشاهدين - وقد رأينا الصور- وكم كنتُ أرجو يومًا أنْ أرسلُ له رسالةً لا شيء فيها سوى السلام والدعاء وذكر المعروف، لكنّ قدر الله سابق!
ولربما سأل سائل،وكيف يتحدث بعينيه؟ فأقول بناء على ما قرأتهُ عنه منذ سنة أو تزيد، أنّ الشيخ مشلول الجسم كلّه لا يتحرك فيه سوى عينيه، وابنه عنده لا يفارقه، فإذا جاءت الرسالة قرأها على أبيه، فيقوم بالرد عليها، بحيث علّقت لوحة عند رأسه فيها حروف الهجاء، فيشير بعينيه والابن يشير بإصبعه إلى اللوحة، فالحرف الذي يريد الشيخ يشير له أن اكتبه فيكتبه، والحرف الذي لا يقصده يشير له أن تجاوزه فيتجاوزه إلى ما بعده، وهذا دأبه مع كلّ رسالة يجيب عنها حرفًا حرفًا لا يملّ ولا يكلّ من كثرة الرسائل (تصل إلى 500 رسالة في اليوم) ، فسبحان الله كم بين جنبيه من همّة متوقدة!
ومن الآثار الحميدة التي أعرفُ للشيخ أحمد ديدات رحمه الله تعالى في بلدي، أنّ رجلًا يقال له مساعد الوعلان"وهو من آل وعلان المعروفين"كان على خير وتقى، واشتهر بالصلاح وحب للدعوة والدعاة، وكان يرجو أن يقوم بدعوة من يعرفهم من النصارى، لكن علمه كان قاصرًا عن أساليب محاجتهم، حتى وقع على مناظرات الشيخ أحمد، وتأثر به تأثرًا كبيرًا، وتعلم ما يمكّنه من دعوة النصارى متحدثي الإنجليزية إلى الإسلام، فبدأ بالتطبيق والدعوة حتى تطور جهده إلى أن يؤسس مركزًا لدعوة الجاليات، فأسلم على يديه من النصارى كثير، خرج منهم داعية فليبيني ليفتح مركزًا إسلاميًا في الفلبين، فأيّ أجرٍ يتتابع؟ ويا رحمة الله على التابع والمتبوع! (توفي مساعد الوعلان رحمه الله منذ عدة سنوات وكان في بداية الأربعينات من عمره، والقصة أخبرتني بها ابنة أخيه) .