فهرس الكتاب

الصفحة 17745 من 27345

طه بن حسين بافضل 16/9/1426

من المحزن جدا أن ترى طفلا ًلم يبلغ الحلم قد طغت ملامح الإجهاد على وجهه، وانطبعت صورة الإحباط على قسماته، ناهيك عن ما يحمله من مظاهر السخط والتمرد على مجتمعه وجماعته، تتساءل: ما الذي جرّ المسكين الصغير إلى هذا الواقع المرير، والوضع العسير؟؟

لقد غدت عمالة الأطفال ظاهرة منتشرة انتشارًا واسعًا في أرجاء المعمورة فهي ليست مقصورة على الدول الفقيرة النامية بل حتى في الدول المتحضرة، وبقدر سعة انتشارها بقدر تنامي واتساع القلق العالمي من وجودها وتغلغلها في واقع المجتمعات على حد سواء، ففي الحادي عشر من شهر يونيو حزيران من كل عام تحتفل المنظمات الدولية والحكومات باليوم العالمي ضد عمل الأطفال . وفي هذا دليل واضح وجلي على عدم الرضا بهذه الظاهرة وأنها غيرُ مرغوب فيها.

إن عمل الأطفال يعد للوهلة الأولى نشاطًا غير مستحسن لدى الطبيعة البشرية السوية، فالطفولة مرحلة من مراحل نمو الإنسان وهي بحاجة ماسة إلى العناية والتأديب والتربية والتدريب وليست إلى الإهمال والتعب والشقاء.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد من كان دون الحلم عن المشاركة معه في الغزوات كما حدث ذلك في غزوة أحد، إذ في مشاركة الأطفال في الحروب - حيث تتطاير الرقاب، وتسيل الدماء، وتزهق الأرواح - مشقة كبيرة تحتاج إلي جسم يطيق أهوالها وآلامها.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم و يربيهم على مكارم الأخلاق وأصولها: (يا غلام إني أعلمك كلماتٍ احفظ الله يحفظك ..) ويقول لآخر: (يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك..)

ومن سنن الله في خلقه أن جعل الأب هو القائم على أمر الأسرة يوفر لها حاجاتها، ويبعد عنها مخاوفها، ويصلح ما اعوج من سلوك أفرادها . والأطفال من زينة الحياة الدنيا وهم الذرية التي تبعث الإعتزاز والفرح والسرور في نفسية الآباء، فمن المستهجن أن تنقلب السنن وينعكس الحال .

إذًا لماذا يعمل الأطفال؟:

بعد التأمل إلى الأسباب التي أدت إلى ظهور الظاهرة فيمكن إرجاعها إلى ثلاثة أسباب رئيسة:

أولًا: الفقر:

فتزايد حدة الفقر الذي يصيب الأسر سواء كان في المجتمعات النامية أو المتحضرة يجعل الأطفال يُزَجون رغبوا أم كرهوا في ميدان العمل بعجره وبجره ،حتى يشاركوا في إعالة الأسرة التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من معاينة الموت جوعًا.

فمن المناظر المخزية في زماننا هذا الذي يرفع البعض عقيرته ليصفه بأنه الزمن الحضاري أن ترى أعدادًا من الناس يعيشون على ما تجود به لهم مخلفات القمامة من مواد غذائية خطرة على الصحة العامة والشخصية.

فالفقر عدو لدود تعوذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا كان حريًا بالمجتمعات أن تشمر عن ساعد الجد في التخفيف من حدته وانتشاره إذ ما يولده من مآسٍ وخرابٍ على المجتمع ،كفيل بأن يجعل العقلاء يفيقون من سباتهم العميق.

ثانيا: الجهل:

فالأسرة تجهل قيمة العلم والتعلم؛ ولذا تجد أنها لا تبالي أن تخرج ابنها من الدراسة وتدفع به إلى المصنع ليوفر لها حاجتها كما أن مستويات التعليم خصوصًا في البلدان النامية لا زالت تعيش ركودًا وجمودًا وتحجرًا؛ فهي بدلًا من أن ترغّب الطلاب في الدراسة وتشجعهم على المواصلة فيها ،من خلال خلق الأجواء الصحية، وحسن المعاملة بالمتعلم، والرفق به، وتسخير كل الطاقات نحو ترشيد عقله ووعيه، وبنائه بناءًا سليمًا، وكذا مساعدة أسرته إن كانت محتاجة بحيث يغنيها عن أن تستخدم هذا الطفل في أعمال فوق طاقته ومقدرته فهي بالعكس من ذلك تهمل جوانب كثيرة منها بحجة كثرة الأعباء الملقاة على عاتق هذه الدول أو تلك! وللأسف الشديد تجد دولًا تصدر النفط والطاقة لم تفق من سباتها إلا بعد أن يظهر بها آلاف مؤلفة من الأطفال يعملون سخرة في المعامل والمصانع ويحتار الإنسان أين كان موقع التعليم وترغيب الناس إليه من أولويات عمل حكومات تلك الدول؟، ومن إفرازات تهالك التعليم أن ترى كثرة ظهور المدارس الأهلية الخاصة التي لا يستطيعها إلا من لديه دخل وفير أما الفقير فليس له إلا مدارس الدولة التي هي بنيان متصدع، وكرسي مفرقع، وكتاب مرقع.

ثالثاُ: الأزمات:

ونقصد بها الحروب والكوارث الطبيعية التي من أهم إفرازاتها تشريد العديد من الأسر من مأوى عيشهم إلى أماكن يصبحون فيها عالة على الآخرين، وهنا تظهر العصابات التي تطغى عليها مظاهر الانتماء الفاضح إلى شهوة الربح وكسب الأموال بطرق مشبوهة وأساليب تعد في عرف الدول جرائم حرب تجب محاكمة مرتكبيها.

ولعل ما حدث إبان كارثة (تسونامي) في جنوب شرق آسيا من عمليات خطف للأطفال شاهد مهم على التوجهات الخاطئة التي تقوم بها عصابات تجارة الأطفال من الاستفادة منهم والمتاجرة بهم بغية الكسب السريع وملء الجيوب من أقصر الطرق.

ماذا يعمل الأطفال ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت