الحمد لله ، تفرد بالحول والقدرة ، وعظم فلا يقدر أحد قدره ، خلق الإنسان من نطفة ، وأحصى عمره ، وقضى عليه بالموت ، فأراه قبل مماته قبره . أحمده سبحانه ، فكم أقال من عثرة ، وأنزل القرآن موعظة وذكرى ، فكم أسالت آياته من عبرة . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من قلب وجل يترقب أن ينجو بها من سؤال الحفرة ، ويدخرها ليستظل بها في ظل العرش يوم الحسرة . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، بعثه بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، فضمن له نصره . صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ، ومن سار على نهجهم وترسم خطاهم ، فلم يتجاوزوا نهيه واتبعوا أمره ، وسلم تسليما . أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، فإن تقوى الله تجلب الرزق ، والفرج ، ومحبة الله تعالى ، ومعيته ، وجنته . وتقوى الله تيسر الأمور ، وتكفر السيئات ، وتعظم الأجور ، وتورث الأمان يوم النشور . أيها المسلمون: إن من المستقر في العقول السليمة أن لا بد لهذا العالم من صانع ، دلت آيات إحكامه لصنعته ، وما غمر العالم به من شآبيب رحمته ، وما أظهر فيه من عجائب قدرته ، أن وراء الخلق غاية ، وأن لهذا العالم نهاية ، وأن الموت قد آذن برحيل الدنيا ، وأثبت أن الآخرة هي دار القرار ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . يقول الحق تبارك وتعالى: ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ، وعرضوا على ربك صفا ، لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ، بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا . قف أيها المسلم ، أيها العاقل ، قف وتأمل حالك وأنت معروض على الحق جل وعلا ، موقوف بين يديه ، لا تخفى منك خافية . إنه والله لأشد مواقف القيامة هولا ، وأعظمها فزعا ، تهون عنده زلزلة الأرض ، وتشقق السماء ، وتدكدك الجبال ، وانكدار النجوم . إنه لمشهد رهيب ، وموقف عصيب ، حضور المرء بين يدي الجبار للحساب ، يسأله عن عمره وشبابه وماله ، هان عندها سؤال الملكين ، وضغطة القبر ، وطول الموقف يوم الحساب . و تبدأ أهوال يوم القيامة مع النفخ في الصور ، ومن ثم تبعثر القبور ، وقيام الناس لرب العالمين ، ثم ما يعقب ذلك من طول القيام ، ودنو الشمس من الرؤوس ، ثم يلي ذلك شفاعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في القضاء بين العباد ، ويتحقق قوله تعالى: وقفوهم ، إنهم مسؤولون . فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون . وجاء ربك ، والملك صفا صفا . لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا . ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ، يومئذ تعرضون ، لا تخفى منكم خافية . أيها المسلمون: تصور لنا هذه الآية صورة مفزعة لكل منا وهو معروض ، بين يدي الخالق ، أمام أعين الخلائق ، معروض أمامهم مكشوف لهم ، عار الجسد ، مبلي السريرة ، مفضوح الضمير ، قد تساقطت عنه الحجب والأستار ، وظهرت للخليقة كلهم ما كان يخفيه من خبايا وأسرار . برز منه كل غائب ، واستنطق الشهود فكل عضو منه مستنطق وعائب . يا لها من فضيحة ، كم حاول المسكين أن يسترها حتى عن نفسه ، فكم خادعها ، وكم مناها ، وكم سول لها وأعطاها . كم غفل عنها فما زكاها ، وكم أملى لها ودساها ، نسي أو تناسى: إنه على رجعه لقادر . فها هو اليوم ، أمام الجبار مكبلا بذنوبه ، قد افتضح منه ما كان يستره ، واحتاج في وقفته تلك لعمل قد كان يحقره ، وما أقساها من فضيحة أمام أعين الملأ ، وما أخزاها أمام أعين الحساد والشامتين ، وعلى مرأى الأعداء والناقمين ، إنه لموقف عصيب ، أن يقف الإنسان ، ذلك المخلوق الضعيف ، عاريا جسده ، عاريا شعوره ، عاريا تأريخه ، مكشوفا عمله ، ظهر منه ما استتر ، ولم يبق منه شيء إلا ظهر ، أمام الحشود الهائلة من خلق الله ، جنهم وإنسهم ، بل أمام الملائكة المقربين ، بل وأجل من ذلك وأعظم ، أن يقف مفتضحا بين يدي رب العالمين . كيف تراك أخي الحبيب وأنت في ذلك الموقف ؟ بلا ساتر يسترك ، وبلا ناصر ينصرك . يوم تبلى السرائر ، فما له من قوة ولا ناصر . فيا ترى من أي الفريقين أنت ؟ فريق الجنة ، أم فريق السعير ؟ ويا ترى في أي الجانبين أنت ؟ جانب الأبرار ، أم جانب الفجار ؟ فاليوم يسعد المؤمن ، ويشقى الكافر . اليوم بعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ، فجثت الأمم ، ونطقت الكتب ، هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون . إخوة الدين والعقيدة: عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نحن آخر الأمم ، وأول من يحاسب ، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها ؟ فنحن الآخرون الأولون . أخرجه ابن ماجة ، وصححه الألباني . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون من أهل الدنيا ، والأولون يوم القيامة يقضى لهم قبل الخلائق . أخرجه مسلم