أحمد العبد الهادي 9/1/1425
نظرة إلى التدافع القائم بين الخير والشر تصيب المرء بالذهول ، فالكنيسة اليوم تحوز أرقى الجامعات ومراكز البحث والترجمة وتبث باستمرار من المفكرين والساسة من يمسك أزمة العالم لصالحها! ، وتنفق"هوليود"ملايين الدولارات لتروج فيلمًا تشويهيًّا واحدًا !.
ورصدت مؤخرًا اثنين وستين مليون دولار مؤخرًا لتكون ميزانية عام واحد لتشغيل قناة ناشئة تغزو العرب والمسلمين بلغتهم !! فماذا قدمنا نحن إزاء ذلك وغيره؟!
لا مبالغة -أيها القارئ- إن قلنا إن زوبعة الشر القادمة نذير يوحي بالخطر إن استمرت مقاومة الحق له نفخًا لا يرقى إلى مستوى التدافع. أموال طائلة .. و أوقات مبذولة .. وعقول مفكرة تقود طرح الفساد بقوة ليتسرب إلى نفوس الناس مع لحظات دهشتهم لتميز أسلوبه وإبداع طرحه!.
وأهل الصلاح في مقابل ذلك يملكون معهم الحق - والحق مادة البقاء - ويملكون بقية باقية من فطر سليمة في الناس جُبلت على الخير، ويملكون فوق هذا وذاك كوادر في الأمة تحمل طاقاتٍ هائلة متميزة لا تزال حتى الآن مدفونة في دواخلها، ولو شاء الله لكانت صرخة مدوية تخرس الناطقين بالضلالة، ولكانت سدًّا منيعًا ضد كل شرٍّ زاحف ، ولكانت نورًا يضيء بالحق ونارًا تحرق الباطل!
ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى كشف تلك الطاقات واحتضان تميُّزها وقذفها في محاضن تصنع مع الزمن قادة متخصصين يحملون لواء الخير باقتدار، ويقدمونه بأسلوب يجعل الحق في أعين الناس أكثر وضوحًا واستحسانًا، وليس ذلك ببعيد إن تهيأت لتلك المحاضن خطط مدروسة و برامج مميّزة و تنفيذ متقن ، يردفها دعم ممتد من المال والوقت والجهد والبصيرة النافذة والنفس العميق .
إن الحديث عن التميز في عصر"الانفجار المعلوماتي"حديث لا ينفك عن التخصص أبدًا، والتخصص الذي نعنيه لا يتعارض مع الشمول ولا يعني -بالضرورة- الإحاطة.
لقد مرت في تاريخنا نماذج فريدة جمعت بين التميز والإحاطة؛ فكان لها في كل ناحية سهم، لكن تعميم تلك النماذج على الناس مع تفاوتهم والمطالبة بمحاكاتها في تربيتنا أمر ربما ينزح للمثالية ويبدد الجهود، ذلك أن الإحاطة في حدّ ذاتها تميز آخر يصدق في حق أفراد منحهم الله إياها، ويبقى في حق الكثيرين قدرًا صعب المنال. إن غرس المتخصصين في شتى الجوانب يفتح لهم أولًا أبواب التميز فيها، ويمنحنا ثانيًا القدرة على دمج تلك التعددية"المتخصصة"في منظومة تكاملية تعمل بطريقة أذكى وتضيف للأمة رصيدًا من الجهد البناء والقوة الفاعلة.
إننا بغير ذلك لن نستطيع أن نقود هجومًا حقيقيًّا يئد الشر في مهده، وسنبقى دائمًا في موقف الضعيف الذي يلاقي الضربات الموجعة بدفاعٍ خائر العزمات.
وإننا بغير ذلك.. لن يتبوأ أهل الصدق المتميزون مكانهم الحقيقي في قيادة الأمة، وستنزوي طاقاتهم في أي مكان هنا وهناك ليقدموا جهدًا قليلًا - لا يتلاءم مع قدراتهم - إبراءً للذمة لا غير!
وإننا بغير ذلك سنبقى منهمكين في صنع"الكم"، فنخرج كل حين مئات ومئات من الجنود لكنها تفتقر إلى واحدٍ يسعرها !
إن مصعبًا وعمارًا وأبا عبيدة وسعدًا، وابن عباس وخالدًا -رضي الله عنهم- لم يضيعوا في دهماء الناس وما خرجوا للناس صدفة، بل كانوا نتاج القائد الأول صلى الله عليه وسلم؛ فأسمعوا التاريخ كلمتهم وكان لهم فيه قدم صدق.
ولا يزال تاريخنا حافلًا بالنماذج الرائعة لاحتضان التميز ورعايته، وهل كان مالك -بعد توفيق الله- إلا جوهرة قدمتها يد ربيعة ، وهل كان الشافعي إلا صنع وكيع ... وابن القيم وصلاح الدين ونور الدين وغيرهم كثير رعتهم يد مخلصة نقلت إليهم إبداعها وقيادتها؛ فكانوا سلسلة من الأنوار بعضها من بعض.
إنها مسؤولية الأب والأم، والمعلم والشيخ، والتاجر والمربي، أن يقرأ التميز فيمن أمامه ويهبه من جهده ووقته ما يتناسب مع طاقاته ليجده بعد ذلك في كل ميدان يحمل راية الخير في حياته وبعد مماته.
والله غالب على أمره