الشيخ /محمد محمد أبو جليّل الهدار
الحمد له وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ،،
أيها الأفاضل:إن المساجد بيوت الله في أرضه أضافها لنفسه تشريفا وتعظيما ،وأذن في بنائها لعبادته وذكره والدعوة له سبحانه ، وقال عز من قائل ' فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ {36} رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ {37} ' النور ، وقال عزمن قال ' وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا {18} ' الجن .
وقد رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في بنائها فقال كما روى الشيخان 'من بنى لله مسجدا ، يبتغي به وجه الله ، بنى الله له بيتا في الجنة ' كما أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتنظيفها وتطييبها وصيانتها ، فقال كما روى أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها ' أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور ، وأمر بها أن تنظف وتطيب ' ، وجاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال ' إن المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر ، إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن ' ، وروى الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ' من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم ' ، قلت ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل شي له رائحة كريهة كالدخان مثلا ، كما نص على ذلك بعض العلماء ، وروى أحمد بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ' إذا تنخم أحدكم فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه ' .
كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت فيها واعتبر بعض العلماء النهي للتحريم ، فجاء في فقه السنة قوله: يحرم رفع الصوت على وجه يشوش على المصلين ولو بقراءة القرآن ، ويستثنى من ذلك درس العلم ، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة ، فقال ' إن المصلي يناجي ربه عز وجل فلينظر بم يناجيه ؟ ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ' رواه أحمد بسند صحيح ، وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال ' ألا إن كلكم مناج ربه ، فلا يؤذين بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة '، رواه أبو داوود والنسائي والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ....
هذا وقد رغب الله في عمارة المساجد ، وشهد لعمارتها بالإيمان ، وأعظم بها من شهادة وتزكية ، فقال عز من قائل ' إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ {18} ' التوبه ، وقد أكد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ' إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ' قال الله عز وجل ' إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ ' رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والترمذي وحسنه والحاكم صححه ، وقد قال البعض بأن الحديث ضعيف ، فقلت خير شاهد لتقوية الحديث الآية نفسها ، بل هو مستل منها ، وهي كافية حتى بدون الحديث في تأكيد هذا لأمر ، قال الإمام القرطبي: قوله تعالى' إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ ' ، دليل على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة ؛ لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها، وقد قال بعض السلف: إذا رأيتم الرجل يعمر المساجد فحسنوا به الظن ' ، ومما جاء في الترغيب في عمارة المساجد كذلك قوله صلى الله عليه وسلم ' من غدا على المسجد أو راح ، أعد الله له في الجنة نزلا كلما راح أو غدا ' ، رواه الشيخان ، وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ' من تطهر في بيته ثم مشى على بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله ، كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجته ' ، ومن الأحاديث المرغبة في الصلاة في المساجد وعمارتها ما رواه مسلم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ' صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه ، بضعا وعشرين درجة ، وذلك إن احدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد ، لا ينهزه إلا الصلاة ـ لا يريد إلا الصلاة ـ فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ، وحط بها خطيئة حتى يدخل المسجد ، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه يقولون: اللهم ارحمه ، اللهم اغفر له ، اللهم تب عليه ، ما لم يؤذ فيه ، ما لم يحدث فيه ' .