فهرس الكتاب

الصفحة 27187 من 27345

يا بني توجيه رفيق 1/4/1425

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

ما زلنا مع سورة يوسف، ونقف اليوم مع آية يعلمنا فيها يعقوب - عليه السلام - أسلوباً فريداً في التربية والتوجيه، يقول الله - تعالى-:"إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ" (يوسف:4، 5) . أسلوب رائع في التعامل بين الأب وابنه، فيعقوب - عليه السلام - يربي أبناءه على الرجوع إليه كلما حدث لهم ما يثير انتباههم، حتى يوجههم التوجيه المناسب، فأنت ترى ابنه يوسف -عليه السلام- يرى رؤيا فيبادر بقصها على أبيه ولا يتردد، وهذا يشير إلى طبيعة العلاقة الحميمة بينهما.

ثم لما قص عليه الرؤيا أولاها ما تستحقه من الاهتمام، فلا هو أهملها كما يفعل الكثيرون، ولا هو بالغ في الاهتمام بها. كثير من الناس يظن أن رؤيا الأطفال لا أهمية لها والواقع أنها قد تكون أصدق من رؤى الكبار؛ لأنهم ما زالوا على الفطرة ولم يتعودوا الكذب وفي الحديث الصحيح"أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً" (1) . كذلك المبالغة في الاهتمام برؤى الصغار ليس أمراً مرضياً؛ لأنه ربما دفعهم إلى الكذب لينالوا ما يرونه من تشجيع.

ومن اللفتات في هذه أن يوسف - عليه السلام - لم يقصص رؤياه على أبيه أمام إخوته، وهذا ما ينبغي أن يراعى لئلا تدفع المنافسة الصغار لاختلاق الرؤى.

وفي تأكيد أبيه على عدم قصها مصداقاً لما روي عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - وصححه بعض أهل العلم (2) "اقضوا حوائجكم بالكتمان، فكل ذي نعمة محسود"، وإذا كان هذا قد يقع بين الإخوان، فوقوعه مع العامة أحرى، ومراعاته إذن أولى.

قوله:"إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً" (يوسف: من الآية4) فهمها يعقوب - عليه السلام-؛ لأنه كان ممن يعبر الرؤى، وعلم ما سيحدث لابنه من عز وشرف، لذا نبهه ألا يقص الرؤيا على إخوته لئلا يحسدوه عليها، ثم لم يكتف بالنهي لئلا يبقى في نفس الصغير شيء، فيتساءل لم يكد له إخوانه؟ وماذا صنع لهم! فقال له: إنهم سيفعلون ذلك بكيد من الشيطان فبقيت في نفس يوسف - عليه السلام - فعلل بها في آخر القصة"مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي" (يوسف: من الآية100) ، وهنا إشارة لواجب الآباء في السيطرة على مشاعر أبنائهم بحسن التوجيه لئلا ينشأ بينهم التباغض والحسد.

ومن اللفات هنا أن يوسف - عليه السلام - من أهل بيت آتاه الله الحكمة، وعرف بتأويل الرؤى صغاره وكباره، ولهذا قال يعقوب - عليه السلام-:"لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ" (يوسف: من الآية5) ، فعَلِم أنهم سوف يعلمون تأويلها فربما نزغهم الشيطان إلى الكيد، فأمره بعدم قصها عليهم.

ومن اللفتات أيضاً مبالغة يعقوب - عليه السلام - في تحذيره فهو لم يقل: فيكيدوك، بل قال:"فَيَكِيدُوا لَكَ" (يوسف: من الآية5) فضَمَّن معنى فعل يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو: فيحتالوا لك.

واللفتات التربوية في هذه الآية كثيرة، ولعل من أهمها ما يلي:

1-البدء بما يسترعي انتباه الابن أو الطالب أو المقصود بالتوجيه، وهنا استرعى يعقوب سمع ابنه يوسف - عليهما السلام - بعبارة حانية محببة يقول فيها: (يا بني) ! وفرق بين أن تجذب انتباه من تريد توجيهه بعبارة تلفت انتباهه نحو ما تقول فيلتفت إليك بوجهه وعقله، وبين أن تجذب انتباهه بعبارة زاجرة تجعل جل همه التفكير فيما يخلصه من الصراخ أو الزجر أو التوبيخ، فيترك ما نهي عنه للحظة، ثم يعود بعد مدة؛ لأنه ما تنبه إلى الحكم والأسباب، وإنما كان همه التخلص من العبارة المرعدة المرعبة:"يا ولد"! أو"يا ..."!

2-اختار يعقوب - عليه السلام - عبارة تأطر الابن على طاعة أمر والده، فهذه العبارة الحانية (يا بني!) والتي فيها نسبة الابن إلى نفسه، تنبه الابن إلى معاني الأبوة في الكلام المقبل على تلقيه، فهو يعلم أن ما سيأتي بعدها أمر أبوي يفيض بحب الخير للأبناء، وكراهة كل ما يسوؤهم، وطاعة مثل هذا الأمر أقرب من عصيانه، كما أن النداء بـ (يا بني!) مشعر بنوع شفقة وحرص أبوي يناسب مقام النهي والتحذير، والسامع للعبارة يستشف منها معنى: أنت مني، ولذا أشفق عليك فلا تفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت