3-لم يكتف بالنهي المجرد، بل أتبعه بتعليله، فقال أولاً:"لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ" (يوسف: من الآية5) ، وعقب بقوله:"فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً" (يوسف: من الآية5) ، فالأجسام البشرية ليست مجرد آلات تتحرك بالأوامر، فما أسرع الناس لمخالفة ما لم يعرفوا حكمته، أو يقفوا على علته، بل ما أسرعهم إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به -كما قالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها-.
ولهذا قرر علماء التربية في العصر الحاضر أن توجيه الأطفال لابد أن يصحبه شيء من التعليل، وإلاّ كانت النتيجة امتثال الأمر أمام الأباء، ومخالفتهم فور تولية ظهورهم!
إن هذه النمط الديكتاتوري في التربية: افعل"وبس"! لم يكن يعرفه أعظم المربين - صلى الله عليه وسلم-.
هاهو ذا يوجه ابن عباس في كلمات تلحظ الشبه بينها وبين كلمات يعقوب -عليهما السلام- هذه فيقول:"يا غلام إني أعلمك كلمات".. وينهى الآخر الذي طاشت يده في الصحفة بأسلوب أكثر بلاغة وإبداعاً، فيقول:"يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك"، فيا لله أي معلم هذا! يقول علماء التربية الغربيون: إذا أردت أن تنهى ابنك أو من توجه، عن فعل أمر، فحاول أن يكون ذلك بصيغة الأمر قدر المستطاع، فإن النهي المباشر مصادمة لإرادة الطفل أو الموجه، وصرفه عن خطئه بإرشاده إلى الصواب توجيه وتسديد لإرادته، ولهذا قال:"كل بيمينك.. كل مما يليك"، ومن هذا القبيل أيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم - للحسن عندما امتدت يده إلى تمر الصدقة:"كخ كخ"تنبيه!"ارم بها"توجيه بالأمر لابالنهي!"أما علمت أنها لا تحل لنا"تعليل، فأين هذا الأسلوب من الأسلوب العسكري الدكتاتوري الذي ينتهجه بعض الآباء! لتكون النتيجة تربية ديكتاتوريين صغار ليصبحوا في المستقبل دكتاتوريو رجال الغد! بينما يتنازل الحسن -رضي الله عنه- الذي رباه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الفهم والتعليل عن الخلافة وأي خلافة!
وهنا يعقوب - عليه السلام - ينهى عن محذور لم تتوجه إليه إرادة الطفل ولكنه محتمل، فناسب أن يكون النهي نهياً صريحاً، ومع ذلك علله بقوله:"فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً" (يوسف: من الآية5) فهو ليس نهياً مجرداً بل نهي معلل مقنع.
4-قوله:"فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً" (يوسف: من الآية5) فيه دليل على فطنة يعقوب، إلى تصرفات وسلوك بنيه، فلم يكن يعقوب - عليه السلام - سيئ الظن، ولكنها فراسة المؤمن قادته إليها يقظته وفطنته، فهو يعلم أحوال أبنائه من حوله، ويستشف من تصرفاتهم شيئاً ربما وجد في نفوسهم، ويعمل جاهداً على ألا يستفحل الأمر فيخرج إلى نطاق لا يمكن تداركه، فتراه يقطع كل سبيل ربما قاد إلى تفاقمه، وهكذا ينبغي أن يكون المربي فطناً لبقاً يحسن قراءة نفوس طلابه ومن حوله بناءً على تصرفاتهم، ويتعامل مع تلك النفوس بما يناسبها، وليحذر من الإيغال في الريبة والشك فلايرتاب بغير مبرر ظاهر ومحض ظنون، فـ"إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" (الحجرات: من الآية12) ، كما ليحذر من أن يكون الحاضر الغائب، لايعلم شيئاً ولايحلظ أمراً حتى تقع الفأس كما يقولون على الرأس! ولات ساعة مندم.
5-وأخيراً حرصه على سلامة صدور الإخوة بعضهم تجاه بعض، ولهذا نسب إلى أحد الدوافع والأسباب، وهي وسوسة الشيطان (عدو الإنسان) ، وفي هذا فائدة أخرى، وهي استثمار المواطن المناسبة، لبيان العدو الحقيقي، وتوطيد بغضه، ولهذا قال:"إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ" (يوسف: من الآية5) ، فذكر عداوته وعبَّر بالمصدر (عدو) فهو عدو بغَضِّ النظر عن الزمان أو المكان، وليست عداوته عداوة خفية، بل هي عداوة بينة جلية، كيف لا وقد أخبر الله عن قوله:"لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ" (الأعراف: من الآية16) .
نسأل الله أن يجنبنا الشيطان وكيده، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا متابعة الأنبياء في أسلوب تربية الناشئة والأبناء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1) صحيح مسلم 4/1773.
(2) انظر السلسلة الصحيحة رقم 1453.