الورقة المقدمة إلى الملتقى الدولي الأول للأدب الإسلامي
المنعقد في وجدة - المغرب بتاريخ 7 - 8 - 9 من أيلول 1994
عبد الله الطنطاوي
الأديب شاهد على عصره، كما المصلح. وإذا كان إسلاميًا، ارتفعت واشتدّت وتائر شهادته، بما أوتي من صدق اللسان، ونبل الجنان، ودقّة الإحساس، وحدّة الملاحظة، وموضوعية النظرة، والعدل في الأحكام، لأنه يخشى الله الذي حرّم الكذب في القول، لأنه يتنافى مع الإيمان، وحرّم الظلم، لأنه يتضادّ مع أوامر الله الذي حرَّم الظلم على نفسه، وجعله حرامًا على عباده، وأمرهم بألاّ يتظالموا، وتوعّد الظالمين بما لم يتوعّد غيرهم، (والله لا يهدي القوم الظالمين) .
والأديب الإسلامي يعي من أمر شهادة الزور ما لم يعه غيره من الأدباء ذوي الانتماءات غير الإسلامية، إنه يعلم أنها كبيرة من الكبائر، فيزورّ عنها، ويتجافى عن طريقها، ليكون شاهد صدق وعدل.. صدقٍ مطلق، وعدلٍ مطلق.. صدقٍ في القول، وصدقٍ في الفنّ، (.. وما يزال الرجل يصدق ويتحّرى الصدق، حتى يُكتب عند الله صدّيقًا) (1) .
وإنّ أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدتَه، صَدَقا (2)
لأن الأهداف النبيلة، يُتوصَّل إليها بوسائل شريفة.
والأديب الإسلامي في تسامٍ وصعود أبدًا، ساعيًا نحو أهدافه العليا التي ينشدها لنفسه، ولأمته، وللعقيدة التي تملأ كيانه، وللقيم الإسلامية التي يجهد من أجل أن تكون قيمًا حيّة في نفوس الناس، ممكَّنًا لها في أرض الله الواسعة.
والأديب الإسلامي - بهذا وبغير هذا - ربّما يكون أهمّ شاهد، وهو ليس محايدًا في أداء شهادته.. إنه منحاز.. منحاز إلى الحقّ والحقيقة.. إلى هذا الدين الذي هو عين الحق والحقيقة.. إلى قيمه ومثله.. إلى أخلاقياته ومبادئه وتعاليمه، وإلى ما يفيض منها وعنها.. وهو يؤدي شهادته فيما يبدع، معبرًا عن إرادة الإنسان الحر الطليق، لا عن غرَائز ينساق إليها من ينساق من أدباء البوهيمية والبهيمة على حدّ سواء.
والأديب الإسلامي ينظر إلى الحياة والأحياء نظرة إيجابية متفائلة.. ينظر في حبّ وودّ، البسمة على شفتيه، وإسعاد الآخرين يتلامح في لمعان عينيه.. خلّف وراءه كلَّ ما يمسّ مروءة المسلم، لأدباء الواقعية السوداء، والواقعية الحمراء، ولسائر الذين يضعون على عيونهم نظارات سودًا، لا ترى في هذه الحياة سوى المواجع والوهدات الموغلة في الهبوط.. الهبوط نحو الغرائز، يشارك فيها البهائم، ويأبى أن يصّعّد بها أو يتسامى إلى القمم التي تليق بالإنسان، وإنسانية الإنسان، وكرامة الإنسان، وشموخ الإنسان، ومروءة الإنسان.. إنهم عاكفون على انتهاب اللذات في أوكار الحرام، وهم الدعاة النشطاء على أبواب تلك الأوكار، بما يكتبون من شعر وقصة ومسرحية ونقد..
وإذا كان الشاعر في أيام العرب الخوالي، موضع إجلال القبيلة واحترامها، لأنه كان لسانها المنافح عنها، النائل من أعدائها..
وإذا كان الشاعر في الإسلام المبشّر بهذا الدين، الذائد عن نبيّه، وعن أصحابه وأتباعه، وعن العقيدة التي جاء بها، فكان بذلك موضع الحفاوة والتكريم من الرسول القائد، ومن أصحابه من قبل ومن بعد.. حتى ليقولُ النبي العظيم لشاعره حسان: اهجهم وروح القدس معك.. اهجهم وجبريل معك.. ويقول لشاعره الآخر كعب بن مالك الذي جاءه خائفًا وجلًا من قول الله تعالى: »والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرًا، وانتصروا من بعد ما ظُلموا، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون « (3) قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما سمعه يقول في خوف من تلك الآيات: » إنّ الله عز وجلّ أنزل في الشعراء ما أنزل« أجابه النبي:
«إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه. والذي نفسي بيده، لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل» (4) .
وأديب اليوم - شاعرًا وناثرًا - هو شاعر الأمس، وكان الأحرى بدعاة الإسلام، أن يحتفوا به، ويقدّموه ويوقّروه، لأنهم أحوج إليه في هذه الأيام.. أيام الصراع العقدي، من أيّ وقت مضى، وإن تكن أهميته كبيرة وملحّة في سائر الأماكن والأزمان.. وهانحن أولاء، وهاهم أولاء، يشهدون احتفال أصحاب المذاهب الفكرية والسياسية والاقتصادية بأدبائهم، يقدّمونهم، ويقدّمون لهم كلّ شيء مما يخطر على البال أو لا يخطر، والذين زاروا الشاعر التركي الشيوعي ناظم حكمت في قصره في كييف، بعد هربه من تركيا، والتحاقه بالاتحاد السوفياتي، قد حدّثونا أحاديث عجب..