فهرس الكتاب

الصفحة 16223 من 27345

الشيوعيون والوجوديون والاشتراكيون والليبراليون وسواهم، يتخذون من الأدب بعامة، وسيلة مهمة من وسائل نشر أفكارهم، وإثبات ذواتهم في معترك الصراع الفكري والعقدي منذ بداية هذا القرن، وقبل هذا القرن، وكان تأثير هذه الآداب الوافدة والمقلّدة لها، كبيرًا على شبابنا الذي تمشرق وتمغرب، فكان منهم الشيوعي، ومنهم الوجودي، ومنهم ومنهم، وقد تولّت دار الآداب ومجلة الآداب في بيروت، كبر الدعوة الوجودية، والأدب الوجودي في عالمنا العربي، حتى غدا سارتر وسيمون دي بوفوار وكولن ولسن سادة الساحتين: الأدبية والفكرية في الخمسينيات، أو من ساداتها..

لا أريد نكء الجراح، ولا أحبّ استعداء الآخرين في هذه الظروف الدقيقة، ولكنها شكوى جريح يئنّ ويضمّ أنينه إلى أنّات إخوانه الذين يشهدون تجهُّم الدعاة الإسلاميين لأدبائهم، أو إهمالهم، أو ما نرى من اللامبالاة بهم، وهاهي ذي مناهجهم تُعنى بكل شيء إلا بالأدب، وها هي ذي صحفهم، إذا تكرمت وأفردت بابًا للأدب، فإنه إلى جوار بريد القراء، وإلى جوار الكلمات المتقاطعة، والتسليات الأخرى.. مع أنّ أدباء الإسلامية، كما ورد في مقدمة ديوان البوسنة بحق: »صار الشعر مرآة لوجداناتهم المؤمنة، يشدو بأفراحها، وينبض بآلامها، ويحدو تطلعاتها«.

و »في عصرنا الحديث، رسم شعرنا خريطة زمانية ومكانية لنكبات المسلمين، فمن مذابح البلقان في القرن الماضي، إلى سقوط القدس قبل ربع قرن، ومن مذابح الأفغان وهجرتهم، إلى مآسي المسلمين في الجمهوريات الإسلامية «و » ظهرت في الشعر الإسلامي رؤية جديدة، تتجاوز هموم الذات المفردة، إلى هموم الجماعة الواحدة، وتتخطى الأحلام الفردية الضيقة، إلى آمال الأمة الواسعة..« (5) .

لماذا؟

لأنهم طبّقوا مفهوم التلاحم والتناصر في قول الرسول القائد: »مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى« (6) .

وشكوى ثانية نجأر بها، هي ما نلقاه من أكثر دور النشر التي تسمّي نفسها إسلاميّة، وأدباء الإسلامية يلقون منها الألاقي، ولو كنا بصدد الحديث عنها وعن سواها، ولولا أنّ الشكوى إلى غير الله مذلّة، لكانت لنا وقفة طويلة مع كثير من هؤلاء، بل وقفات، نتجاوزها الآن، لأننا سنتحدث عن رسالة الأديب الإسلامي في هذه الأيام العصيبة، وسنذكر منها البعد عن السلبية والانهزامية، وإبعاد الناس عنهما فيما ينحو ويكتب، وحديثنا عن كثير من دور النشر، إن لم يبعث على اليأس، فعلى الحزن والاكتئاب..

ولنعرّج قليلًا نحو المثقفين.. نحو النخب الأدبية، ودعونا من النخب السياسية، لأننا فيما نقوله عن الأولى نقول أضعافه عن الثانية..

أولًا: نحبّ أن نؤكد مع الدكتور طه العلواني: »أنّ انفصال النخبة وثقافتها عن الأمة، إنما وُلد مع المحاولات الأولى، ولم يكن وليد السنوات الأخيرة فقط« (7) .

ومن هؤلاء، كان الشعراء المداحون النواحون، وكان الكتبة الديوانيون، وكان علماء السلطان أو علماء الشيطان بمنطقهم التبريري الذي تفوح منه روح الكذب والغش والخداع والتدليس وتلبيسات إبليس، محاولة تغطية الشمس شمس الحقيقة، بغربال ممزَّق، فتبدو الأنانية والمصالح الذاتية في ألوان فاقعة من النفاق الحارّ حينًا، البارد في أكثر الأحيان.

»إنّ كثيرًا من الجرائم، ارتكب في الفكر والواقع من قِبَلِ مجتمع النخبة في أقطارنا، باسم الحداثة والتنمية والتقدم«.

وإن الحداثة والتقدم اللذين ننقدهما ونرفضهما، هما التقدم نحو الخلف.. تقدُّم التبعية، وتحديث القمع والتسلط والاستبداد الذي يسهم في تعميق التفسخ والانقسامات، وفي جعل مجتمعاتنا غير قادرة على هضم الجديد، واستيعاب النظم العصرية من بابها الخاص.

والنتيجة.. واقع مسخ، ومجتمعات مفتونة متعددة ومتصارعة، تتعايش تحت سقف الدولة القطرية المحدثة.. وفي النهاية.. مُرّرت تحت عباءة التقدم والحداثة والتنمية، إجراءات وأفعال، هي في النتيجة ضدُّ الحداثة والتنمية والتقدم. (8)

فالنخب الثقافية، والأدباء منهم، ويشكّلون سوادهم، هم السائرون في ركاب الطواغيت، يزيّنون لهم جرائمهم، ويحرّضونهم على الشرفاء، ويخططون للإيقاع بهم، ويدافعون عن الطغيان، وينظمون القصائد »العصماء« في مناقبهم، وفي إنجازاتهم، وفي الفتوحات والانتصارات الباهرة التي تحققت على أيديهم، ويدبّجون المقالات السود في إطرائهم..

ونظرة سريعة إلى ما يذاع ويُنشر، تغني عن أيّ تحليل وتركيب.. نظرة سريعة إلى إعلام الأنظمة التي نحترق بهجيرها، تغني عن أيّ شرح أو تطويل.. إذا جلست إلى أحد أولئك النخب، انطلق لسانه الذرب، يسوّغ سقوطه تحت أقدام الطاغية، وقد يتجرأ وينصحك بأن تسير معه، ولا تسبح ضدَّ التيار، فيجرفك التيار وتغرق، ويمزّقك شرَّ ممزّق.. نصيحةَ أخ لأخيه، أو تلميذ لأستاذه، أو أستاذ لتلميذه، أو أب رؤوم وأمّ حنون للولد التائه الذي لا يعرف أين تكمن مصلحته..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت