بقلم الأستاذ عبد السلام ياسين
(المرشد العام لجماعة العدل والإحسان)
تعبر بحجابها وزيها عن أشواق إسلامية وروح المسجد لما تتمكن في طواياها. فرت من الهوس والاختلاط، لكن لم تمر بمجالس الإيمان لترُوحَ روْح الإيمان. وأخرى سترت شعرها وأطراف بدنها حياء فطريا وتقليدا. وأخرى أعجبها زي المتحجبات يُنَوِّعْنَهُ فيكون زينة من الزينة. وأخرى وجدت راحة ضميرها، وحسبت أن صلحها مع الله يتلخص في ستر أجزاء من جسمها.
فاللباس الإسلامي المحتشم رمز في نفس اللابسة لما يعتلج في ضميرها وما يختصم، وهو في عين المراقب السياسي مقياس لقوة المد الإسلامي.
أما في أصل الشرع فالحجاب إذن صريح للمرأة المسلمة بالخروج من بيتها لحوائجها وصلاتها وكسبها ومشاركتها العامة في الحياة إذ لولا ضرورة الخروج، ومشروعية الخروج، لما كانت هناك حاجة لتوصية المرأة المسلمة بستر زينتها وصون جسدها. إنما الصون وواجب الستر اتقاءٌ للأنظار الأجنبية خارج بيتها أساسا.
إن كان الستر واجبا تعصي المسلمة ربها بكشف ما لا ينبغي كشفه وكان رمزا للتوبة والشجاعة في مقاومة السلطة التي تلاحق المتحجبات، ورمزا للصمود أمام مقاومة الأسرة وضغوط المجتمع التقليدي في مرحلة ما قبل ظهور الصحوة وانتصارها، فإن التركيز على الحجاب، واعتباره هو الدين، ورمي المسلمات اللاتي لما يتح لهن الستر بأنهن فاسقات، لمن مثبطات الدعوة، ومُضلات الفهم.
قد يكون الحجاب و الزي أحبولة منافقة تروج بها الفتاة البائرة الحائرة لنفسها، ظاهرة بمظهر الطهر. أي خفاء وراء ذلك الظهور؟ من أية جذور باطنية يتغدى المظهر؟
حجاب أحبولة وحجاب سجن. من الوعاظ من يأخذ بأشد ما في مذاهب الفقه من شدائد، فالحجاب عنده نقاب وقفاز ولون أسود وقطنة في الفم قبل أن تتكلم المرأة فتؤذي العالم بصوتها العورة. ويود الواعظ لو تلبس المرأة جلدا سميكا أو تتخذ لباسا من الصفيح والقصدير إمعانا في الشدة وتحريجا بغير دليل شرعي في دين ما جعل الله فيه من حرج.
في هذه الوهلة العَجْلَى نعرض أحكام الستر. وعلى المومنات أن يرجعن لدراسة أبي شقة العلمية، فقد خصص جزءا كاملا من نيف وثلاثمائة صفحة للمسألة. و المؤمنة حق الإيمان من تتورع لكيلا تقلد واعظا شاذا سمعت شريط من أشرطته الملتهبة حماسا وصدقا. ما نقصه الإخلاص في دين الله، لكن نقصه الفقه في دين الله. و المؤمنة إن كشفت ما أمرها الشرع بستره توشك أن تصنف مع أهل النار الكاسيات العاريات. وهي إن ساهمت في ترويج الفقه الشاذ عارضت سنة رسول الله، وساعدت على جعل الحرج في الدين، فكذبت كلمات ربها وكتابه.
مجتهد القرن الثامن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أخذ بأشد آراء الإمام أحمد. أخذ برأي مروي عن شيخ المحدثين العظيم لا يبيح فيه للمرأة أن تكشف من جسمها للأجنبي ولو الظفر. وهو رأي شاذ مخالف لما عليه جمهور علماء الأمة.
لا ننقص من قيمة المجتهد الإمام أحمد، ولا من علم شيخ الإسلام. نعوذ بالله أن نطعن في أئمة المسلمين. لكن الأئمة العظام رضي الله عنهم تلامذة صغار متواضعون أمام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:"إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط !"وقال عن سلفه الإمام الأعظم أبي حنيفة: الناس عالة في الفقه على أبي حنيفة. أبو حنيفة مقدم الفقهاء الأئمة استفتاه رجل فأفتاه. فسأله الرجل: أهذا الذي قلته هو الحق الذي لا باطل معه؟ فيجيبه أبو حنيفة رضي الله عنه في تواضع العلماء: وما يدريك! لعله الباطل الذي لاحق معه ! لعله الباطل الذي لا حق معه ! وبكي الإمام رحمه الله في مرض موته لما بلغه أن الناس تستشهد بآرائه و أقواله، مع أنها اجتهاد قد يرجع عنه.
المجتهد مع الدليل لا مع هواه. فهو ينظر في الأدلة التي صحت عنده ليستنبط أحكاما تصلح حال الأمة. فاجتهاده توفيق بين الدليل ومقاصد الشريعة. يختلف رأي مجتهد عن رأي مجتهد، ويخالف المجتهد قوله الأول إن ظهر له أجود منه. ويجتهد الفقهاء داخل المذهب فيكون الرأي الراجح والمرجوح، والضعيف في المذهب، وقول المتقدمين، وقول المتأخرين، والصحيح في المذهب، والمشهور، والمنصور، والمعمول به. الخ.
لهذا فمن يعتبر رأي فقيه هو الرأي الواحد الصواب جاهل بما هو الفقه. والمتشددون في عصرنا يعتمدون على أقوال و آراء الإمام أحمد رضي الله عنه. فإذا أكدها واختار منها مجتهد القرن الثامن شيخ الإسلام أصبحت الكلمة النهائية في الدين. والعجيب أن آراء الإمام أحمد لم تدون في حياته لأنه يكره ذلك. وروى عنه الناس من بعده آراء متضاربة تعكس سير اجتهاده وتحوله من رأي إلى رأي في فترات حياته وتقدمه في فهم روح الشريعة. كان يريد رحمه الله أن يرجع الناس إلى الأصول لذلك ترك للأمة"المسند"هذا الكتاب الجامع العظيم.