فهرس الكتاب

الصفحة 6422 من 27345

وترك وصيته ودلالته على النهج القويم في قوله:"إنما كانوا (يعني من أدركهم من العلماء) يحفظون ويكتبون السنن. فأما هذه المسائل تدون وتكتب في الدفاتر فلست أعرف فيها شيئا. و إنما هو رأي لعله قد يدعه غدا، ينتقل عنه إلى غيره".

هذه كلمات عن تاريخ انحباس الفقه وانغلاقه وتشدده.

نسمع الآن إلى مجتهد القرن الخامس ابن حزم الظاهري رحمه الله يضع أصبعنا على الدليل، ويعرض فهمه للدليل. قال رحمه الله في"المحلى":"وأما المرأة فإن الله تعالى يقول:"ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. وليضربن بخُمُرِهِن على جيوبهن. و لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن"إلى قوله:"ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن". فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب. وهذا نص على ستر العورة والعنق و الصدر. وفيه نص على إباحة كشف الوجه. لا يمكن غير ذلك"

ويأتي ابن حزم بحديث البخاري عن ابن عباس:"أنه شهد العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام خطب بعد أن صلى. ثم أتى النساء ومعه بلال. فوعظهن وذكرهن وأمرهن أن يتصدقن. فرأيتهن (يقول ابن عباس) يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال". قال ابن حزم:"فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن. فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا عورة. وما عداهما ففرض عليها سَتْرُه"

ويأتي ابن حزم بدليل ثان هو قصة الفضل بن عباس الذي أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأتته امرأة من قبيلة خثعم تستفتيه. قال ابن عباس راوي الحديث:"فأخذ الفضل يلتفت إليها، و كانت تستفتيه. قال ابن عباس راوي الحديث:"فأخذ الفضل يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحول وجه الفضل إلى الشق الآخر". قال ابن حزم:"فلو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها عليه السلام على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تُسْبِلَ عليه من فوق. ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس ( يعني الفضل أخا عبد الله بن عباس راوي الحديث) أحسناء هي أم شوهاء. فصح كل ما قلناه يقينا. والحمد لله كثيرا"."

ونتخطى من القرن الخامس إلى الثاني عشر، متجاوزين اجتهاد المتشددين، لنرى كيف يلتقي المجتهد الشوكاني رحمه الله مع ابن حزم. يقول في"نيل الأوطار":"النبي إنما فعل ذلك ( أي عندما أخذ يحول وجه الفضل عن النظر إلى الخثعمية) لمخافة الفتنة، لما أخرجه الترمذي وصححه من حديث علي، وفيه:"فقال العباس ( والد الفضل عم النبي صلى الله عليه وسلم) : لويت عنق ابن عمك!"فقال ( النبي صلى الله عليه وسلم) : رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة".

قال الإمام الشوكاني رحمه الله:"وقد استنبط منه ( من الحديث السابق) ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها. فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل. ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره ( النبي ) عليه. وهذا الحديث أيضا يصلح للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة ( قوله تعالى عن نساء النبي: فاسألوهن من وراء حجاب) بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم. لأن قصة الفضل في حجة الوداع (في السنة العاشرة) وآية الحجاب في نكاح زينب في السنة الخامسة من الهجرة."

ويروي الشوكاني عن القاضي عياض الإمام المحدث المالكي قوله حكاية لأقوال العلماء:"إنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها. وعلى الرجال غض البصر".

ويلخص الشوكاني مسألة حجاب المرأة المسلمة فيقول:"و الحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء و الشهادة".

ونجد حتى في قرن سد الذرائع قرن ابن تيمية، وعند أقرب الناس إليه تلميذه وصاحبه الحافظ ابن كثير الشافعي المذهب، ما يخالف اختيار ابن تيمية مخالفة تامة. قال في تفسيره قوله تعالى"ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها"سورة النور الآية: 31 ما يلي:"ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير"ما ظهر منها"بالوجه والكفين. وهذا هو المشهور عند الجمهور".

ويأتي ابن كثير بالحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أختها أسماء دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال:"يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"وأشار إلى وجهه وكفيه. حديث يستأنس به لأن بعض المحدثين يطعنون فيه بأنه مرسل، لم يسمع خالد بن دُريك عن عائشة. على أن للحديث ما يقويه.

ونجد الفهم المشهور عند الجمهور عند المالكي أبي بكر بن العربي. قال في"أحكام القرآن ":"والصحيح أنها من كل وجه ( أي الزينة المباح إظهارها) هي التي في الوجه والكفين. وإنها هي التي تظهر في الصلاة وفي الإحرام عبادة، وهي التي تظهر عادة"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت