فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحلقة (18) الجمعة 5 ربيع الأول 1396 هـ 5 آذار 1970
العلامة محمود مشّوح
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد كان يمكن أن أؤجل هذا اللقاء لولا أن أخانا أبا محمود حفظه الله أنجز ما كان فيه من حديث عن الهجرة، ولولا الأصداء التي أثارتها آخر خطبة كانت لنا في هذا المكان لدى فريقين متباينين من الناس، كان هدفي من آخر حديث -وكان حديثًا على هامش الهجرة- أن أبين أن حادث الهجرة كان حادثًا طبيعيًا جاء في سياقه الزمني، وفي مكانه من مراحل الدعوة دون اعتساف وبغير استعجال لخطوات الطريق فمن أجل ذلك كان مبارك الثمرات وكانت الهجرة نصرًا مؤزرًا للإسلام وفاتحة عهد جديد في تاريخ الإنسانية.
ولكن شعاب الكلام تأخذ الإنسان في مجاريها التي لا بد له من أن يتبعها -شاء أم أبى- ومن ذلك حديثنا عن تعليل الصبر الطويل الذي صبره ومحمد صلى الله عليه وآله وصبره المؤمنون معه في مكة المكرمة قبل الهجرة ولقد كان مما قلنا: إن هذا الصبر عنوان سلوك في الإسلام، هو سلوك عدم العنف في مواجهة المخالفين، وأحسب أنني طرقت هذه الفكرة قبل اليوم، طرقتها فيما أذكر حين كنت أخطب في -الجامع الوسط- قبل أن يكمل بناء هذا المسجد، وحينما كنت أتحدث عن المقدمات التي رأيتها ضرورية لتشكل مدخلًا لدراسة السيرة على ضوء مناهج علمية بعيدة عن التزمت وضيق الأفق كما هي بعيدة عن الغوغائية والارتجال فقد آن للمسلمين أن يعملوا عقولهم في كل شيء، وفي ضوء العقل عليهم أن يقرروا، وفي ضوء العقل عليهم أن ينفذوا، لهذا لم أجد سببًا يدعوني إلى إطالة الحديث حول هذه القضية، في خطبتنا الأخيرة ولكن الشيء المؤسف أنني فوجئت بتيارين أو بردود فعل إزاء الكلام الذي تحدثت به.
والشيء الذي أزعجني حقًا هو أن بعض الإخوة فهم من كلامي الذي يقرر رفض العنف والغلظة أن هذا أمر مرحلي هذا من بداية الكلام غلط فالواقع أن عدم العنف، في غير مدعاة إليه ولا ضرورة ملجئة؛ مسألة مبدئية في الإسلام، فالإسلام لا يريد أن يفني الناس لا يريد أن يقتل الناس لا يريد أن يميت الناس، الإسلام يريد أن يحيي الناس ولذلك فطالما وجد أي أمل في أن يستقيم الإنسان -أيًا كان اتجاهه- فهو محل الرعاية الاهتمام والاحترام أما ما يدور اليوم في الساحة العالمية من ارتخاص لقيمة الإنسان وعدم اهتمام به فشيء غريب عن الإسلام إذًا فرفض العنف ليس مسألة مرحلية في الإسلام لكنه قضية مبدأ. هذه واحدة وهي واحدة ليست في الحساب الذي هو في الحساب أولًا الاستغراب الذي قابل به الكثير من الإخوة الذين يشاركوننا آراءنا واتجاهات؛ دعوتنا هذه إلى الحب والتسامح واللين والطيبة والمرحمة في مواجهة المخالفين هذا شيء في الواقع عجبت له، عجبت له لأن الله يقتص علينا في القرآن من وصف نبيه محمد صلوات الله عليه فيقول جل من قائل:
)فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر(.
الوصف الجوهري والرئيس لرسول الله صلى الله عليه وآله اللين، كرم الطباع، المرحمة، الشفقة، الطيبة التي لا تعرف حدًا، كيف يغيب هذا عن بال الإخوة ومع ذلك فلقد وقفت أفكر طويلًا ثم عذرت الإخوة، عذرتهم لأننا نعيش في جو يشكل قوة ضاغطة على تفكير الإنسان وعلى سلوك الإنسان في الساحة المحلية وفي الساحة العربية.. في الساحة المحلية حيث انتزعت ودفعت إلى الخلف بعيدًا كل معاني الإنسانية، وبقيت الناس تعيش على قوانين الغابة وأعراف الوحوش، بقيت الناس لا تسمع إلا أحاديث الدماء وإلا أحاديث القتل وإلا أحاديث الخطف وإلا أحاديث العنف الذي لا يريد أن ينتهي إلا أن يدمر هذه الحياة الدنيا كيف يمكن أن نطلب من المسلم أن يبقى بعيدًا عن هذه التأثيرات لا بد له من أن يتأثر بها من هنا كان إخوتنا يستغربون دعوتنا إلى شيء يخالف المألوف في هذه الأيام فرأيت أن من واجبي أن أعالج المسألة علاجًا صحيحًا ونهائيًا أن أقول في المسألة قولًا يقطع كل قول وقولًا موسعًا لا أحتاج بعد إلى أن أعيد الموضوع أبدًا.