أ. د. عماد الدين خليل 11/3/1427
لن يتسع المجال في مقال كهذا للدخول في التفاصيل، ولذا سيتم التركيز على الخصائص الأساسية بالإيجاز المطلوب.
1.المرونة وعدم التأزّم المذهبي: يتميز الموقف الإسلامي من التاريخ بمرونته وبعده
عن التوتر أو التأزم المذهبي الذي يسعى إلى قولبة الوقائع التاريخية، وصبّها في هيكله المسبق، واستبعاد أو تزييف كل ما لا ينسجم وهذا الهيكل، الأمر الذي يوقع التفاسير الوضعية في كثير من الأخطاء والانحرافات. هذا إلى جانب أن الفكر الوضعي لابد وأن يتأثر بطبيعة العصر الذي يعيشه سلبًا وإيجابًا، وبدرجة أو أخرى، وهذا (التأثير) المحتوم ينعكس -ولا ريب- على معطياته الفكرية سواء كانت (صيغة) هذا التأثر بشكل (تقبّل) لقيم العصر وأوضاعه ومناهجه ورؤاه، أو (رفض) لها وتمرّد عليها. ففي كلتا الحالتين يلعب الجانب التأثري الانفعالي، والاسقاطات الظاهرة والخفية، في"الوعي"و"اللا وعي"، دوره في الرؤية التي يمارسها المفكر تجاه الأوضاع والأحداث والأشياء.
فإذا ما حدث وكان المفكر مفسرًا للتاريخ، وتفسير التاريخ ـ كما نعلم ـ توسيع للتحليل صوب الماضي والمستقبل اللذين يندّان كثيرًا عن الحصر والضبط والتحديد، فإن لنا أن نتصور كم سيجيء هذا التفسير مطبوعًا بطابع العصر الذي يعيشه المفسر، وكيف أن الأشياء والظواهر والأحداث، في الماضي والمستقبل، ستأخذ اللون الذي يجد المفسر نفسه مضطرًا إلى النظر من خلال زجاجته التي أسقطت عليها مواضعات العصر الظلال والأضواء. وهذا يؤدي إلى أن تبعد التفاسير الوضعية، بدرجة أو أخرى، عن العلمية والموضوعية والحياد.
أما التفسير الإسلامي، الذي يستمد من رؤية الله التي تعلو على الزمان والمكان، وتتجاوز مواضعات العصر النسبية، فإنه ينظر بانفتاح تام إلى الأحداث ويسلّط الأضواء على مساحاتها جميعًا، دون أن يقتصر على الأحمر أو الأخضر لكي تبدو حمراء أو خضراء .. وهكذا فان ثمة فرقًا (منهجيًا) حاسمًا بين المذاهب الوضعية وبين المذهب الإسلامي في تفسير التاريخ .. في الأولى تُصاغ حقائق التاريخ، أو يُعاد عرضها، وفق المذهب (المصنوع) سلفًا فتقسر على الانسجام مع وضعية المذهب، وتُساق للتدليل عليه وتأكيده، وهذا الخطأ يجيء من حقيقة أن وقائع التاريخ سبقت في الزمن تخطيط المذاهب، ومن ثم فان المذاهب جاءت كقضية
(بعدية) تسعى إلى أن تجبر (القبليات) على التشكل بها. وهذا التأزم المذهبي، هذا التحديد الصارم للنظم التي تتبعها الوقائع التاريخية في مسارها، هذا التوتر في التزام هيكل نظري
مسبق، تُساق أحداث التاريخ للتدليل عليه بالحق والباطل، والذي بلغ أقصى حدته في المادية التاريخية التي رسمها (ماركس وانغلز) ، مما دفع عددًا من المفكرين الأوروبيين إلى اتخاذ موقف معاكس تمامًا، يمثل رد فعل إزاء الموقف السالف، بحيث أنهم رفضوا القول بخضوع الحركة التاريخية لأي ناموس أو سنة، ومسيرتها وفق أي نظام مهما كان. وقد بلغ هذا الموقف، غير الموضوعي هو الآخر، أقصى حدته على يد (كارل بوبر) في كتابه المعروف (عقم المذهب التاريخي) .
أما في القرآن الكريم فإن التفسير ينبثق عن رؤية الله سبحانه، وهي تختلف عن الرؤية الوضعية في أنها تحيط علمًا بوقائع التاريخ، بأبعادها الزمنية الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، وببعدها الرابع الذي يغيب كثيرًا عن ذهن الإنسان مهما كان على درجة من البصيرة والذكاء، البعد الذي يغور في أعماق النفس البشرية فيلامس فطرة الإنسان وتركيبه الذاتي، والحركة الدائمة في كيانه الباطني، ويتسرب بعيدًا صوب اهتزازته العقلية والعاطفية والوجدانية، وإرادته المسبقة، وما تؤول إليه هذه جميعًا من معطيات تمنح حركة التاريخ أبعادها الحقيقية، ويمتد كذلك لكي يشتبك في العلاقات الشاملة للمصير. ذلك أنها رؤية الذات الإلهية التي وسعت كل شيء علمًا، والتي صنعت الواقعة التاريخية، ووضعتها في مكانها المرسوم من خارطة التاريخ البشري والكوني على السواء.
الرؤية الوضعية تمتد إلى الماضي لتقتبس منه و (تختار) ما يعزّز وجهات نظرها المسبقة، والرؤية القرآنية تحيط بالماضي لكي تكثفه في قواعد وسنن تُطرح أمام كل باحث في التاريخ يسعى إلى فهمه، وإلى أن يرسم على ضوء هذا الفهم، طرائق حياته الحاضرة والمستقبلة، باعتبار أن الأزمان الثلاثة إنما هي وحدة حيوية تحكمها قوانين واحدة، كتلك التي تحكم الحياة سواء بسواء. وهذا ينقلنا إلى الميزة التالية.