فهرس الكتاب

الصفحة 15275 من 27345

2.الواقعية: إن رؤية التفسير الإسلامي للأحداث رؤية واقعية شاملة في امتداداتها الزمنية الماضية والحاضرة والمستقبلية.. فيما كانت عليه، وما هي عليه، وما سوف تكون عليه .. إنه ـ مثلًا ـ يعترف بالتمايز القومي، ويعطي لهذا العامل (الواقعي) حجمه الحقيقي، على الرغم من نزعة الإسلام العالمية، واستعلائه على الكيانات المحدودة المنغلقة على الإقليم أو اللون أو الجنس .. ويؤكد على ضعف الإنسان وتقلبه وعجلته، على الرغم من أنه جاء بمبدأ الاستخلاف الذي رفع به الإنسان إلى أعلى مصاف، وأمر الملائكة بالسجود له.

إن التفسير الإسلامي تفسير (واقعي) ، لا يتأثر بقيمه ومثالياته ممكنة الوقوع أساسًا، في تفسيره للواقع ـ كما يفعل هيغل وماركس على سبيل المثال ـ إنما يتكلم عن الواقع كما هو، دون تسويغ أو تعديل أو تحوير، ولكنه من خلال حركته على أرض الواقع هذه ينطلق إلى أهدافه ومثله وآفاقه.. إنه يسمي معركة (حنين) هزيمة وفرارًا، ويخاطب مهزومي (أحد) بأنهم هم كانوا السبب وراء تلك الهزيمة، ويعلم المسلمين من خلال واقعيته هذه، ألاّ يسوّغوا أخطاءهم وينحرفوا في تفسير الأشياء والوقائع، ولكنه يعلمهم ـ في الوقت نفسه ـ أن يفيدوا من هذه الرؤية الواقعية للتاريخ لصياغة العالم المرتجى.

3.الناموسية: إن التفسير الإسلامي مذهب ينبثق وفق أسلوب موضوعي (عما حدث فعلًا) وعن طبيعة التصميم التاريخي للبشرية.. من سدى نسيجه ولحمته.. فهو إذن تبلور للخطوط الأساسية لحركة التاريخ يصوغها القرآن الكريم والسنة الشريفة في مبادئ عامة يسميانها (سننًا) ، ينبغي أن يعتمدها المفسرون الإسلاميون منطلقًا ـ لا لتزييف التاريخ ـ وانما لتفسيره وفهمه وإدراك عناصر حركته ومصائر وقائعه، ومسالكها المعقدة المتشعبة. وهو ـ إذن ـ تفسير شامل محيط يعطي أصدق صورة للسنن التي تسيّر التاريخ.

4.الشمولية: ينفتح التفسير الإسلامي للتاريخ على كافة (القوى الفاعلة) في الحركة التاريخية: المنظورة وغير المنظورة، العقلية والوجدانية، المادية والروحية، الطبيعية والغيبية.. ويرفض تجزؤ الرؤية وعزل الأرض عن موقعها الصحيح في الكون وارتباطاتها الشاملة بما حولها.

إن معظم مذاهب التفسير التاريخي، وضعية كانت أم دينية (محرفة) ، قدّمت معطياتها متخطية الإجابة عن هذا السؤال المهم: ما هي العلاقة بين الله سبحانه وبين الطبيعة، بما فيها القوى المادية، والإنسان، بما أنه روح وجسد، في صنع التاريخ وإقامة الحضارات؟ وهل من المحتم أن تتكئ أحداث التاريخ على عامل واحد من بين هذه العوامل الثلاثة، ويُلغى العاملان الآخران، أو على الأقل يغدوان ظلالًا باهتة لفاعلية العامل الرئيس؟ ولماذا هذه الجدران التي أُقيمت بين الله والطبيعة والإنسان؟

إن معظم مذاهب التفسير تخطت الإجابة عن هذا السؤال، تاركة في طريقها ثغرة

عميقة، ومنغلقة، في بحثها عن الفرضية التي تمنح صفة الفاعلية لعامل واحد، تلغي العوامل الأخرى إلغاء. ومن ثم برز التفسير السحري للتاريخ، وتطوّر ليعبر عن نفسه بالتفسير

(اللاهوتي) الذي ساد تفكير مثقفي العصور الوسطى الأوروبية، كما برز التفسير الفردي

(البطولي) للتاريخ، والتفسير العقلي (المثالي) ، والتفسيرات الطبيعية التي بلغت أقصى حدّتها في (المادية التاريخية) التي يصفونها (بالعلمية) .

إن تفسير التاريخ البشري يجب أن ينبثق عن موقف موضوعي شامل، يربط ويوازن ويدرك العلاقة المتبادلة بين سائر القوى التي تصنع التاريخ: مادية وروحية.. طبيعية وغيبية، ولن يتحقق هذا بطبيعة الحال إلا في نطاق (الموقف الإسلامي) حيث تعمل كافة القوى، بانسجام وتوافق، في الصيرورة التاريخية بدءًا وانتهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت