فهرس الكتاب

الصفحة 5873 من 27345

يتناول الدرس قضية التلاعب بمصير الأمة، من خلال نموذج تاريخي فيه الكثير من العبر التي تحتاجها الأمة في واقعها المعاصر وعرض لبعض تلاعبات علماء السوء بمصير الأمة، ثم تحدث عن السلام المزعوم التي تضلل به الأمة، ثم ذكر أنه ضاع في تيه هذه المغالطات كثير من الناس، ثم عرض أسئلة مهمة يتساءل عنها أعداد من المسلمين الحريصين على عقيدتهم .

التلاعب بمصير الأمة: عندما انتقل يوسف بن تاشفين من المغرب إلى الأندلس عام 479هـ يريد دعم إماراتها ضد الطاغية الإسباني الذي استبد بالأمر؛ فقد خاف يوسف على ضياع الأندلس من أيدي المسلمين، وصعب عليه أن يرى الصليبيين يستذلون المسلمين. ولما حط رحاله في الأندلس رغب أن يسمع توجيه الدعاة إلى السكان، وكلام الذين يتصدّرون المجالس يتحدّثون عن الإسلام، فخرج يومًا إلى صلاة الفجر وحده لا يعرفه أحد، وقد علم أن بعد الصلاة درسًا وتوجيهًا للشيخ أحمد التبريزي.

فلما انقضت الصلاة تحلّق الناس، وانتظموا ثم جاء الشيخ، وأخذ يوجّه الناس، ويبحث في العقيدة، وكان يردد في حديثه:'إخواننا المسيحيون' و'المسيحيون موحدون'... من هذه العبارات التي لا يصحّ قولها، وهي تُضعف معنويات المسلمين. فسأل يوسف سؤالًا على سجيته دون تكلف ولا اهتمام، فاستغرب الحضور- وإن وجدوا فيه الحق والجرأة- وبدا لهم أن الشيخ يغالط في أقواله ويُريد المداهنة.

وقال يوسف: كيف تقول يا شيخ: 'مسيحيون' والله سبحانه وتعالى يقول عنهم:'نصارى' حيث يقول: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [120] 'سورة البقرة' والمسيح عليه السلام برئ منهم فلماذا تنسبهم إليه؟

قال الشيخ: هكذا جرت العادة، وليس في الأمر.. وتعلثم .

قال يوسف: تقول عنهم:'موحدون' والله سبحانه وتعالى يقول: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [72] 'سورة المائدة'.

قال الشيخ: يا بُني إن النصارى موحدون غير أنهم يجعلون الألوهية أقانيم ثلاثة نحن نوحدها في:'الله الواحد الأحد، العزيز القهار' وهم يُجزئونها تقريبًا لمفاهيم أتباعهم، وتسهيلًا لأبنائهم .. والأصل في النصرانية كما نزلت من عند الله سبحانه وتعالى في صورتها الأولى ـ كما تعلم ـ لا تختلف عن الإسلام، بل تُبشر بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي ديانة سماوية.

قال يوسف: ولكن حرّفها الرهبان والأحبار حتى خرجت عن التوحيد، وغدت تقوم على الشرك.

قال الشيخ: لكن عندما نتكلم عن النصرانية فإنما نتكلم عنها في أصولها كما نزلت.

قال يوسف: لكن لا يوجد اليوم ـ بين النصارى ـ من يتبع النصرانية الحقيقية كما أنزلت، فهي لا تُوجد في عالم الواقع، كما لا يوجد إنجيل خال من التحريف. إن الذي يُوجد بين أيدي النصارى هو ما يتّبعونه، وهو المحرّف، وكلهم يقولون بالشرك.

قال الشيخ: نعم. نعم الأقانيم الثلاثة واحد .

قال يوسف: يقول تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [73] 'سورة المائدة'.

قال الشيخ- وقد تلعثم وظهر عليه الارتباك-: لا تناقش كثيرًا يا بني، يبدو عليك أنك غريب. وانتهت الجلسة وهمّ الناس بالانصراف، فقال الشيخ: ما تعرّفنا على ضيفنا، ما اسمك يا ضيفنا؟

قال يوسف: يوسف بن عبد الله .. قال الشيخ: أهلًا وسهلًا .. يا أبا سعيد-أحد إخوان الشيخ-: أخونا يوسف في ضيافتك اليوم.. قال أبو سعيد: نعم. من واجبنا إكرام الضيف.. اعتذر يوسف.. وشكر لهم إكرامهم .

وقام الناس للانصراف، وأخذوا يغادرون أماكنهم ..قال الشيخ: حبذا لو انتظر ضيفنا قليلًا .

قال يوسف: نعم. أنتظر .. وخرج الجميع.

قال الشيخ: يا يوسف إن وضعنا ـ كما تعلم ـ نعيش على الثغور، والنصارى يُهدّدوننا في كل وقتٍ فإن اقتحموا علينا الديار؛ فعلوا بنا الأفاعيل، وقد علموا ما نقول عنهم من النصارى الذين يوالونهم ويعشون بين أظهرنا، لذا نضطر أن نقول مثل هذا الكلام.

قال يوسف: وما الذي يدعوك إلى أن تقول مثل هذا الكلام، اجلس في بيتك، ودع الحديث لغيرك.

قال الشيخ: ولكن تصدُّر المجالس، وتقدير الناس لمن يجلس مجلس العلم أمر محبب للنفوس، وعلى العالم واجب كبير ومسئولية أمام الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت