قال يوسف: ولكن ألا ترى أن حديثك هذا يجعل المسلمين لا يُعدّون أنفسهم للقتال حق الإعداد ما داموا يُقاتلون إخوانًا لهم، وما دام النصارى موحدين، لذا يتخاذل المسلمون على حين يقوى الصليبيون إذ يُصور لهم بطارقتهم المسلمين كفارًا، وأنهم يعبدون محمدًا، وأنهم يحبون العدوان، ولو انتصروا عليهم لقتلوا رجالهم، وأبقوا نساءهم عندهم سبايا وإماء، وأنهم قد طردوا النصارى من قبل من بلاد الشام وشمالي أفريقيا واستحوذوا على بيت المقدس، وإنّ طرح هذا الكلام ليجعل الجند النصارى يقاتلون بضراوة، الأمر الذي يجعلهم ينتصرون علينا.
إن البطارقة يغالطون رعاياهم ويكذبون ليضمنوا النصر، وأنتم تغالطون الأمة مغالطةً، وعدم صدقٍ لتُضعفوا من الروح المعنوية، ويؤدّي ذلك بالتالي إلى الهزيمة.
قال الشيخ: لا، لا، أبدًا، لا تُشغل نفسك في هذا الموضوع، فالنصر بيد الله، والمسلمون يستعدّون، فتوكل على الله، ولا تخف.
وانصرف يوسف وهو يقول في نفسه: إن أمثال هؤلاء من مشايخ السوء لأخطر على المسلمين من أعدائهم، ولئن نصرني الله لأبدأ بهم ـ إن شاء الله ـ.
ودخل يوسف بن تاشفين الحرب ضدّ الإسبان النصارى وكانت بينهم تلك المعركة المشهورة:'معركة الزلاقة' إذ قضى المسلمون فيها على الجيش الإسباني.
ارتفعت معنويات المسلمين في الأندلس بعد هذا النصر العظيم، وحرص ابن تاشفين مُدّة إقامته في الأندلس على التخلص من مشايخ السوء الذي يُغالطون في عقيدتهم من أجل مصالحهم.
السلام المزعوم:
بعد أن حقّق يوسف بن تاشفين النصر في الأندلس على الصليبيين، وأمّن وضع الأمراء فيها عاد إلى الغرب، وما إن رجع حتى فُسح المجال ثانية أمام مشايخ السوء فانطلقت ألسنتهم بالمغالطات، وامتدت أيديهم الباردة نحو العامة تقذف في قلوبهم الوهن، وتسلب منهم الحيوية، وتُميت عندهم فكرة الجهاد.
بدأت المغالطات بإعلان: أن الإسلام دين السلام لا يعتدي على أحدٍ، ولا يحارب إلا إذا هوجم، ولا يدخل منطقة إلا إذا اعتُدي عليه، ولا يدخلها إلا لمنع الهجوم عليه ثانية وقطع دابر الغارات على أبنائه، وإذا مدّ سلطانه إلى مكانٍ فإنما ليصل إلى مكانٍ منيعٍ يتقي فيه شر الجوار وحرب الأعداء، هكذا الإسلام، فهو في نظر هؤلاء الذي يغالطون: ضعيف لا يُريد أن يتوسع، ولا يُريد أن ينتشر، وليس على أبنائه مُهمّة في الحياة هي الدعوة لله حتى تعمّ الأرض، ذليل يقبع في زاوية من الأرض حتى تدبّ الحياة في أتباعه .. هكذا وبهذه الصورة البشعة في نظر هؤلاء من أهل السوء.
عاد الضعف إلى المسلمين مرة ثانية فالأمراء والحكام رجعوا إلى اختلافهم، وتفرّقهم، واستعانة بضعهم على بعض بالطاغية النصراني، والروح المعنوية انخفضت نتيجة مشايخ السوء الذين يقدّرون مصالحهم فقط وقبل كل شيء، وبدأت غارات الإسبان تارة أخرى وأخذت تجوس خلال ديار المسلمين، واضطر المعتمد بن عبّاد حاكم إشبيلية اجتياز بحر الزقاق والتوجّه نحو المغرب يستنجد بأمير المرابطين يوسف بن تاشفين للعودة إلى الأندلس بجيوشه ومساعدة المسلمين، واستجاب يوسف لدعوة المعتمد، بل لأنين المسلمين، ونداء الواجب الإسلامي وانتقل إلى العدوة الأندلسية.
وأحبّ قبل أن يخوض الجولة أن يتعرّف على الروح المعنوية لدى المسلمين، ورأى أفضل طرق المعرفة الاستماع إلى الموجهين والمتحدثين الذين مقرّهم المسجد عادة، فخرج إلى صلاة العصر في أكبر مساجد قرطبة، وقد علم أن أحد العلماء- وهو إبراهيم بن عبد الملك الباجي يُلقي محاضرة.
انتهت صلاة العصر واجتمع الناس، وأمّ الجامع آخرون أدّوا صلاتهم في غيره، وقد ازدحم الجامع بالناس رغم اتساعه، وجاء الشيخ إبراهيم وجلس على أريكة، ووضعت حولها أمثالها من كلا الجانبين وبدأ الحديث: فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على رسول الله، خاتم النبيين وآله وصحبه، ثم أخذ في الكلام، فكان صوته عاليًا واضحًا، وكلامه فصيحًا مُبينًا، وحديثه عذبًا طليقًا وبيانه مؤثرًا جميلًا، ومع هذا فكان يُغالط الحضور ويسير بهم بعيدًا عن الإسلام.