تكلم عن حرية العقيدة، وأطال في تفسير الآية الكريمة: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [256] 'سورة البقرة' وأعلن أن الإسلام لا يمانع في أن يتخذ الإنسان أية عقيدة يراها، ويؤمن بما شاء أن يؤمن، ثم انتقل إلى أن المسلمين لا يغزون وإنما يُدافعون عن أرضهم فقط إذا ما غُزوا، ويحرصون أن يصلوا إلى مواقع تقيهم غارات غيرهم، فهم مسلمون مسالمون، وما عُرف من أمر الجهاد فهو الدفاع عن النفس، وأطنب في ذلك الحديث حتى يظنّ المستمع أن الحضور سيخرجون إلى بيوتهم لا يكلّمون أحدًا خوفًا من الزلل، ولو اعتدى عليهم أحد المارة لأحنوا رءوسهم، حتى ليضنّوا بالبكاء خوفًا من أن يعدّ ذلك شكوى، فينجدهم أصحاب الشهامة فيكون قتال..وطال الحديث وكاد الوقت ينتهي، ويوسف بن تاشفين مطرق رأسه يستمع، وإن كان يبدو عليه الألم، ولولا افتضاح الأمر لقام وصفع الشيخ وقال له: لا تُمت علينا ديننا أماتك الله، غير أنه صبر.
وما أن انتهى الشيخ حتى قال له يوسف: هل يحقّ لرجل يُقيم في دار الإسلام أن يجعل لنفسه صنمًا ينصبه في ساحة يملكها، ويُقدّم له القرابين، ويعبده من دون الله، ويطوف حوله أمام الناس.
قال الشيخ: لا .
قال يوسف: هذا ما فهمه المستمعون منك، ولكننا نعرف من أهل العلم أنه لا يسمح أن يكون وثنيون في ديار الإسلام، ولا يصحّ أن يُعبد غير الله، ولا مكان في بلاد المسلمين إلا لأهل الكتاب ومن يتبعهم من مجوس، وتكون عباداتهم خاصة بهم في بيعهم وأديرتهم وكنائسهم، وهذا ما نُلاحظه في البلدان التي فتحها المسلمون حيث لا يوجد سوى ذلك الصنف الذي ذكرته:أهل الكتاب والمجوس.
قال الشيخ: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ يا بُني، فاستمع إلى مشايخك وأنصت، ولا تحاول أن تُخالف.. تأتي بجديد من عندك فيضلّلك الله.
قال يوسف: نعم.: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ { .. ولا يُجبر الإسلام المرء على عقيدة مُعيّنةٍ، ويترك له الخيار في أن يعبد الله على الصورة التي يرى، ويدين بعقيدة من عقائد أهل الكتاب أو المجوس أما عدا ذلك فلا، فإن شاء اختار منها، وإلا رحل عن ديارالإسلام إلى أي مكان شاء إلى أن يصل الإسلام إليها، وهذا تفسير:} لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ولكنكم تُفسرونها بشكل فيه مغالطة. وهي تعني عدم الإكراه في عبادة الله، عدم الإكراه في اختيار إحدى العقائد التي تعبد الله، أما الوثنية فلا.
ويبدو أن بعض الناس قد عرفوا يوسف بن تاشفين من لهجته ونبرة صوته فقد سمعوه عند قدومه في المرة الأولى، ورأوه في القتال، وحاولا أن يُنبّهوا الشيخ غير أن الشيخ تلا بعنف: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ وأراد المتابعة.
قال يوسف: يمكن أن أطرح موضوعًا آخر نستفيد منه، أيها القارئ الفاضل؟
قال الشيخ: تكلم ولا تطنب.
قال يوسف: عندما انتشر الإسلام، وقفت دولة الفرس يومذاك في وجهه، كما وقفت دولة الروم، وكما وقف الطغاة جميعًا، وعندها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولًا إلى كسرى قتله، أصحيح هذا؟
قال الشيخ: نعم. صحيح، فما تبغي؟
قال يوسف: وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت حركة المرتدّين في أرض العرب وجد المرتدّون سندًا لهم في دولتي الفرس والروم، أصحيح هذا؟
قال الشيخ: نعم. صحيح، فما وراء ذلك؟
تابع يوسف: فما على المسلمين أن يفعلوا وقد قضوا على المرتدّين؟ هل يتركون الفرس، والروم يُثيرون الفتن ضدّ المسلمين؟ هل يتركونهم يمنعون أي إنسانٍ أن يُسلم، وإن أسلم أحدهم قتلوه وصلبوه؟ أم ماذا يفعلون؟
قال الشيخ: يغزونهم، وقد فعلوا، فمن واجب المسلمين نشر الدعوة في سبيل الله، فمن وقف في وجهها قاتلوه، ولا يبدؤونهم بالقتال حتى يدعوهم إلى الإسلام، فإن قبلوا؛ فقد اهتدوا، وأصبحوا من المسلمين، شأنهم شأن بقية المسلمين في الحقوق والواجبات، وإن أبوا عرضوا عليهم الجزية، فإن قبلوا اكتفى المسلمون بذلك ورجعوا عنهم، ومعنى قبول الجزية، أن يسمح للدعوة بالانتشار، وتُعطى حرية العمل للذين أسلموا في نشر دينهم دون إكراه، وإن رفضوا الجزية فلابدّ عندها من السيف بعد الإنذار.
قال يوسف: جزاك الله خيرًا، لقد أفدتنا، أي أن المسلمين يُقاتلون الذين يقفون في وجه الدعوة حتى يُسلموا أو يقبلوا الجزية ويسمحوا للدعوة بالانتشار، وهذا هو الجهاد.
قال الشيخ: هذا صحيح، وهذا ما أردته بالضبط.
قال يوسف: فتح المسلمون المغرب ووصلوا إلى ساحل المحيط، وكان بحر الزقاق يفصل بينهم وبين القوط في الأندلس، ويُعد البحر مكان حمايةٍ يمكنهم منع أعدائهم من النزول إلى بلادهم، فلماذا يا تُرى اجتاز المسلمون بحر الزقاق وانتقلوا إلى الأندلس، وقاتلوا أهلها، وفتحوها واستقرّوا فيها؟ فهل هذا اعتداء من قبل المسلمين؟
قال الشيخ: معاذ الله، أن يكون المسلمون معتدين، إنما استنجد فيهم المظلومون فأنجدوهم، وحاول الطغاة منعهم فقاتلوهم، وانتصروا عليهم، وأراد البغي أن يُثير الفتنة على المسلمين فاستقرّوا ليُقرّوا المسلم، وينشروا الأمن، ويُعطوا الرخاء.