تقديم الشيخ العلاّمة
عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين
الحمد لله الذي خلقنا للعبادة، ونفذ فينا تصرفه ومراده، ووفق من شاء من خلقه لتوحيده وإفراده، وخذل آخرين ورماهم بطرده وإبعاده، أحمده سبحانه وأشكره، وقد وعد الشاكرين بالزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهي أفضل شهادة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأحفاده.
أما بعد:
فقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ الأِنَس إِلا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) . ومعنى (يعبدون) يوحدون، أي أنه تعالى أوجد هذا النوع من الإِنس والجن، وكلفهم وأمرهم ونهاهم، وقد أقام عليهم الحجة، حيث آتاهم العقول التي يحصل بها التفكر والإدراك، ونصب لهم الآيات البينات، التي يحصل بالنظر فيها التذكر والاعتبار، فسخر لهم الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ومطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وجموع وأشتات، وإخوان وأخوات، وآباء وأمهات، وأبناء وبنات، وآيات بعد آيات.
وقد لفت أنظارهم إلى هذه المخلوقات، فقال تعالى: (ألم نجعل الأرض مهادًا * والجبال أوتادًا * وخلقناكم أزواجًا * وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل لباسا) (النبأ:6-10) الآيات. وقال تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) (ق:6-7) الآيات، وقال تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم:6) الآية، ونحو خطبة قس بن ساعدة الإيادي الجاهلي ، والذي ذكر فيها: أن لله دينًا هو أحب من الدين الذي هم عليه، ونبيًا قد حان أجل خروجه، وهكذا ذكروا قصة زيد بن عمرو بن نفيل الذي ترك عبادة الأصنام، وحرم أكل ما أهل به لغير الله، وهو جاهلي، وغيره كثير وفي ذلك يقول ابن المعتز:
فيا عَجَبا كَيْفَ يعْصي الإِلَهَ أَمْ كَيْفَ يْجحدُهُ الجاحِدُ
وفي كُلِّ شيءٍ لهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وَلَهُ في كُلِّ تَحرِيكَةٍ وَتَسْكِينَةٍ أَبَدًا شَاهِدُ
ويقول آخر:
تَأَمَّل في نَباتِ الأَرضِ إِلى آثَارِ مَا صَنَعَ الملِيكُ
عُيُونٌ مِنْ لُجين شَاخِصَاتٌ بأحدَاقٍ هِيَ الذّهبُ السَّبِيكُ
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ بِأَنَّ الله لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
ومع هذه الآيات والبينات، فإن ربنا سبحانه لم يتركنا هملًا، بل أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبَيَّنَ للناس ما نزّل إليهم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، قال الله تعالى: (ولقد بعثنا في كُل أمة رسولًا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (النحل:36) .
وورد في الحديث عن زيد بن ثابت، وأُبي بن كعب مرفوعًا:"لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته أوسع من أعمالهم"رواه أحمد وغيره.
وحيث إن جميع نوع البشر خلقوا للعبادة، فإن فرضًا عليهم أن يدينوا لله تعالى بالتوحيد، ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالطاعة، فمن أطاعه وشهد له بالرسالة وتقبَّل شريعته فهو من أهل الجنة، ومن عصاه ودان بغير الإسلام فهو من أهل النار.
وقد ختم الله الرسالة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل دينه وشريعته آخر الشرائع، وأرسله إلى جميع الناس بل إلى الثقلين، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى". قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال:"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"رواه البخاري.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
قال فضيلة الشيخ الإمام العلاَّمة أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن إبراهيم الجبرين:
الحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فقد اطَّلعت على ما نشر في جريدة"الشرق الأوسط"العدد (5824) يوم الثلاثاء الموافق 4/6/1415هـ بقلم من سمَّى نفسه: (عبدالفتاح الحايك) الذي اعترف بأنه ليس من أهل الإفتاء، ومع ذلك تجشَّم الفتوى بغير علم، وحكم لليهود المعاصرين والنصارى والهندوس والبوذيين والقاديانيين والمشركين والمنافقين بأنهم من أهل الجنة، واستغرب أن هذه الجموع والمليارات من الأُمم مآلهم إلى النار، وما علم أَن الله تعالى خلقَ الجنة وخلق لها أهلها وهم في أصلاب آبائهم، وخلقَ للنار أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وأنه قال للنار: أنت عذابي أُعذِّب بكِ من أشاء، وللجنة: أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاء، ولكل منكما عليَّ ملؤها.