تفسير سورة البروج (2)
الجمعة 26 ربيع الآخر 1397 / 15 نيسان 1977
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:
في الجمعة الماضية تحدثنا إليكم مطولًا عن فضل سورة البروج ، وهي كما لا يخفى سورة عظيمة وكريمة وإذا جاز لنا أن نتعرف على الأسس التي تأخذ هذه السورة أهميتها منها ، فإن من بين هذه الأسس بلا شك أن هذه السورة العظيمة أرّخت لمرحلة هامة وحاسمة من مراحل الدعوة الإسلامية زمن مؤسسها وقائدها محمد صلوات الله وسلامه عليه .
ولقد قمنا في الجمعة الماضية والتي قبلها بالبحث عن الواقعة التاريخية التي أشارت إليها السورة الكريمة إشارة عامة ، ثم عقبت بعد ذلك على هذه الواقعة بجملة من الدروس والمواعظ المنبثقة عن هذه الواقعة والمؤسسة عليها . وأنتم بطبيعة الحال في غنى عن إعادة الواقعة ، ولكننا جميعًا لسنا أغنياء عن دراسة الواقعة ، وعن محاولة التعرف على أهم ما فيها من دروس وحكم . إن مسألة المحنة والابتلاء في الدعوات مسألة طبيعية ، وأقصد أنه لا بد في كل نظام اجتماعي بشري حين تخرج من بين صفوفه دعوة تهز أركانه وتضع أسسه وقواعده موضع التساؤل لا بد لهذا النظام من أن يأخذ أهبته في الدفاع .
تلك ظاهرة معروفة وأظن أن أي دارس للتاريخ العام ولتاريخ الديانات ، وإن أي مطلع ولو بصورة سطحية على تاريخ الإسلام في صدره الأول يدرك بجلاء لا مزيد عليه أن المؤمنين أوذوا في الله ، وأن الشدة والبأساء والبلاء أخذتهم من جميع أقطارهم ومن البعداء والأقرباء والأعداء والأصدقاء على حد سواء .
لكن هذه الحادثة لها طعم خاص ، لها لون خاص ، لها مدلول خاص . ولكي لا نقفز من فوق القضايا التي ينبغي إبرازها والعناية بالتفكير بها فلا بد أن نشير إلى ما سبق أن قلناه قبل الآن ، إن سياق الآيات ودراسة وقائع التاريخ تشهد على الأرجح أن الحادثة وقعت قبل بعثة النبي عليه السلام وبعد ميلاد عيسى صلوات الله عليه ، أي في الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وعلى جميع إخوانهما من جميع الأنبياء والمرسلين .
فإذا نحن رحنا نتعرف على مسيرة الدعوة المسيحية بعد رفع المسيح عليه السلام فإننا نجد في تاريخ المسيحية منعطفًا خطيرًا كان ذلك في بداية القرن الرابع الميلادي ، وكان ذلك بعد أن أسلم قسطنطين إمبراطور الرومان ، وكان ذلك بعد أن بذل هذا الإمبراطور محاولة جاهدة لتوحيد التيارات الدينية في مملكته ضمن تيار واحد . وهذا طبعًا شأن السياسة ، فالساسة في أي زمان وأي مكان ضد التطور وضد التقدم ، لا يمكن أن يوافقوا على العمليات الانفجارية ولا يمكن إلا أن يقفوا في وجهها . والإمبراطورية الرومانية في الأرض إمبراطورية وثنية ، أي أنها كانت تعبد الأصنام والتماثيل . وليست تماثيل اليونان المشهورة في التاريخ إلا أثرًا من هذه الآثار الوثنية التي كانت عليها روما بعد أن ورثت حضارة اليونان .
لكن ضمن الإمبراطورية الرومانية كان يوجد يهود ويوجد المسيحيون ويوجد وثنيون ويوجد فلاسفة ومفكرون مؤلهون ويوجد فلاسفة ومفكرون ماديون ، كما يوجد مجوسيون على مذاهب ونحل وآراء متعددة ومختلفة .
إن شؤون السياسة طبعًا لا تستقيم على حالة كهذه من التشتت وتفرق المنازع والآراء والأهواء ، فالمحاولة التي بذلها قسطنطين ظاهرة طبيعية في علم السياسة ، لا استنكار تستدعيه ولا شيء مما يخرج على مألوف الساسة في أي زمان ومكان . لكن المهم أن نقرر حقيقة يجب أن يستحضرها كل إنسان هي أن مسائل العقيدة ليست مما يصلح معها أن تبذل المحاولات لتوحيدها بقوة القانون وبرغبة السلطة ، فالقانون والسلطة يتناولان الأجسام ، ولكن لا شأن لهما بقلوب الناس ولا يستطيعان تغيير شيء من اتجاهات الناس العقلية ، إلا أنه حينما يكون الموقف من الجهة المعارضة متصلًا بالصلابة والرسوخ فبالسلطة في ذلك الحين موقف معروف أيضًا هو التناهي في الضغط والتناهي في الإكراه والتناهي في بذل الجهود لملاحقة الخارجين على القانون السائد والعرف المتبع . إن قسطنطين فكر في أن يجمع كل هذه الآراء والأهواء والمتجهات في مذهب واحد ، وجمع الأساقفة بعد أن انتشرت الديانة النصرانية في جزء كبير من أجزاء الإمبراطورية الرومانية وخرج بقرارات ، الهدف منها إيجاد صيغة يمكن أن تستوعب كل هذه الاتجاهات المتضاربة .
خرج بصيغة تقول:إن المسيح عليه السلام ليس رسولًا فحسب ولكنه هو ابن الله وهو التجسيد الحي لله خالق السماوات والأرض.وخرج بسلسلة من التصورات والمفاهيم جعلت المسيحية بعد أن كانت توحيدًا وإسلامًا لله تعالى أصبحت ضمن الأديان الوثنية وليس مع الأديان الموحدة.